| randa's profileranda's spacePhotosBlogLists | Help |
|
June 17 نزع السلاح وأثره على البيئةنزع السلاح وأثره على البيئة"لا تنهمكوا في شؤون أنفسكم بل فكّروا في إصلاح العالم وتهذيب
الأمم"
يعتبر القرن العشرون من أكثر القرون إراقة للدماء فى تاريخ الجنس البشري. ففيه وقعت
الحرب العالمية الأولى التى حصدت ثلاثين مليون من القتلى،ثم الحرب العالمية
الثانية التى أودت بحياة 55 مليوناً تقريباً،عدا عن المشوهين،والخسائر المادية
التى تقدّر بآلاف المليارات من الدولارات والمعاناة التى لا توصف بالكلمات. ولم
تنته الآلام والمحن بانتهاء الحربين،بل عشنا فى بشاعة نتائجها ولانزال نعيش فى
صراعات عرقية وطائفية ودينية غذّاها حقد الهزيمة ونشوة الانتصار على السواء.
ويمكننا الجزم بأن الحروب تعمل على:
May 31 الحجاب والنقاب هو الظاهر-أما الجوهر فهو العفة والتقديسالحجاب والنقاب هو الظاهر-أما الجوهر فهو العفة والتقديسالحجاب الظاهر الكل عليه قادر أما حجاب
القلب فهو جوهرة النفس التقية لذات الروح الأبية النقية والتى به ترقى الروح إلى
العوالم الإلهية... فى البداية أود أن اوضح لأعزائي القرّاء والزملاء الكتّاب بأننى لست مع أو ضد الحجاب والنقاب فهذه حُرية ومعتقد شخصى –ولكن أود أن اقول أيضاً فكري ومعتقدي في هذه القضية الشائكة التى أصبحت هى السمة الرئيسية فى حديث الساحة والساعة. أجد إنّ حجر الأساس لحياة نفس تعيش في ظلّ الرّحمن هو اتّباعُ الفضائل الأخلاقيّة واكتساب أخلاق تنيرها مواهب صفات ممدوحة لدى الخالق. علينا أن نتحلّى برّداء التقدّيس كي نفتح مدائن القلوب بسيف القدرة والاقتدار. لقد ملّ النّاس من الوعظ والإرشاد وجفّ معين صبرهم من الخُطب والكلمات الرّنّانة، ولا شيء غير الأفعال يمكن أن يخلّص العالم من آلام المخاض ويجذب قلوب أفراده، إنّها القدوة الحسنة لا المواعظ، والفضائل القدسيّة لا التّصريحات وقوانين الحكومة، وإنّ ما يجب التّركيز على أهميّته في العلاقات الاجتماعيّة والسّياسيّة أن تكون الكلمة مرادفة للعمل والعمل ملازم للقول في جميع الأمور صغيرها وكبيرها بحيث يدعم كلّ منهما الآخر ويعزّزه. عندما نتعمّق في مدى تأثير إطاعة الأحكام الإلهيّة على حياة الفرد، فعلى الإنسان أن يدرك أنّ الهدف من هذه الحياة تهيئة الرّوح للحياة الأخرى، لذا عليه أن يتعلّم كيف يتحكّم بنزواته الحيوانيّة فيوجّهها بدل أن يكون عبدًا لها. إنّ الحياة في هذا العالم سلسلة من التّجارب والإنجازات، أعمال من التّقصير والتّقدّم الرّوحاني الجديد، وأحيانًا تبدو مراحل الحياة صعبة جدًا ولكنّ الإنسان يستطيع أن يشاهد المرّة تلو الأخرى أنّ النّفس التي تنفّذ أحكام الله باستقامة وثبات، ومهما بدا ذلك صعبًا، فهي حتمًا تترقّى وتنمو روحانيًّا بينما التي تساوم على الأحكام لأجل سعادتها الظّاهريّة فهي تسعى وراء وَهْم ولا سبيل إلى تحقيقه وسعادة صعبة المنال وفوق هذا كلّه تتقهقر روحانيًّا وغالبًا ما تغرق في مشاكل عديدة. كثيرًا ما نجد إنسانًا متحلّيًا بالفضائل الإنسانيّة ولكنّه عندما يخضع لشهواته ونزواته نجد أن أفعاله قد تجاوزت حدّ الاعتدال إلى درجة الخطورة وأضحت نواياه الحسنة شرّيرة وأضلّته شهواته عن الطّريق السّويّ فلم تعد فضائله تستخدم بما هو جدير به. إنّ الإنسان الفاضل بنظر الخالق هو الجدير بالذّكر والثّناء طالما بقيت أفعاله نابعة من المنطق والإدراك وعلى أساس من الاعتدال الحقيقي." و لا شك أن التقاليد و المفاهيم الموروثة عن الأمم السابقة المسيحية و اليهودية والزرادشتية كان لها تأثيرها على مفاهيم المجتمعات الإسلامية لقضية الأزياء و الثياب و مسألة التميز و كان لمسألة وجود فئتين اجتماعيتين متميزتين و هي فئة الأحرار و العبيد تأثير قوي في مسألة الأحكام الفقهية المتعلقة بفرض ارتداء أزياء معينة و تغطية الوجه أو إظهاره و أصبحت هذه المفاهيم و التقاليد جزء من الاسلام مدعومة بكم هائل من المرويات و الأحاديث و الفتوى التي تناولها الفقهاء و المحدثون و المجتهدون . و تشدد البعض في مسألة الخمار و حجب نساء الأحرار و خاصة الملوك و الأمراء و الشيوخ لتميزهن عن فئة العبيد و الجواري. و في النصف الثاني من القرن العشرين تحولت فكرة غطاء الرأس الخمار إلى فكرة الحجاب و ربط من قبل دعاة التيارات السلفية و الأصولية بفكرة القداسة و العفة و التدين و الهوية و اتخذ ستارا لفرض وصاية رجال الدين السياسية والاجتماعية في عالم يشهد تحولات و تقلبات كثيرة و صراعا مريرا بين الأصولية و الحداثة و هذا من خصائص عصر المخاض الذي شهده العالم منذ أن اضطرب نظمه بمجيء النظم الأعظم لحضرة بهاء الله. تحدث النص القرآني عن العفة و التقديس و ستر العورات و لم يقيدها بزي معين: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {النور/30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {النور/31} سورة النور هي السورة الوحدية التي ذكر فيها كلمة خمور بمعنى أغطية الرأس و كانت أزياء معروفة في الشرق قبل الإسلام بأزمنة بعيدة و الآية تتحدث عن تغطية جيوب الصدر و ليس عن تغطية الوجه أو الرأس. وكذلك تحدث النص القرآن عن لباس التقوى و هو ما يتحلى به الانسان من فضيلة و أخلاق يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. {الأعراف/26} لماذا نطلب من المرأة فقط أن تغطى جسمها!!؟؟؟حقيقةً أتعجّب لهذا-فهل هو لضعف نفسى ودينى وروحي لدى الرجل وخوفه على نفسه كما نسمع من الفتنة!؟إذاً هذه ليست قضية المرأة بل قضية داخل أغوار وروح ونفس الرجل-فعليه هو أن يتسلح برداء التقوى-أرى ان الرجل أو المرأة هما روحان متماثلان لا فرق بينهما سوى بالتقوى-إذاً هنا تكون المرأة أقوى وأكثر تقوى من الرجل وذلك إذا أخذنا كل هذه المساحات الشاسعة اليوم على الساحة فى قضية الحجاب والنقاب وكأننا نقول أن الرجل أصبح روحه فى تدنى إيمانى. أعتقد أننا جميعاً إمرأة ورجل لو تخطينا مرحلة الشكل إلى الجوهر أى القشور التى ليس لها من أساس فى الإيمان إلى حقيقة وجوهر الإيمان-أعتقد أننا سوف نمحو تلك المرحلة التى نحن عليها الآن. فالإيمان ليس فى المظهر والملبس بل فى الجوهر –فالمؤمنون هم الساجدون لأجل المحبة وهم قوم سكتوا فكان سكوتهم فكراً فى قدرة الله،وتكلموا فكان كلامهم ذكراً فى ذات الله، ونظروا فكان نظرهم إلى وجه الله دائما، ونطقوا فكان نطقهم لله وحكمه،ورضوا بقضاءالله وبدائه، وسلّموا لأمره ونهيه وانقطعوا بكلهم إليه،وتوكلوا عليه،وفوضوا أمورهم بيده،وجعلوا همسات قلوبهم مظاهر عدله،وحركات أعينهم مطارح عفوه وحركات أعضائهم مرآة رحمانيته...جباههم ساجدة لعظمته وعيونهم ساهرة فى خدمته،ودموعهم سائلة من خشيته،وقلوبهم معلقة بحبه.... وإذا جنبهم الليل لم يناموا عن محبوبهم،وحوّلت إليه أبصارهم ومثلت عقوبته بين أعينهم،فخاطبوه عن المشاهدة،وكلموه عن الحضور،وفرحوا بقربه و،واستراحوا بأنسه،وتلذذوا بذكره،وتنعموا بمناجاته، وإذا اشتغلوا بغيره طرفة عين تابوا واستغفروا وقالوا:إلهي استغفرك من كل لذة بغير ذكرك ومن كل راحة بغير انسك ومن كل سرور بغير قربك ومن كل شغل بغير طاعتك. فالإنسان إذا صفت روحه صفا التراب والماء والهواء وإذا اظلمت اظلمّ الكون وما فيه. فكما يُذكر بأنه روى أن عارف بالله صحب عالماً فى النحو واتفق كلاهما فى الاسرار حتى بلغا شاطئ بحر العظمة...فالعارف توسل وخاض فى الماء دون تأمل.على حين بهت عالم النحو وذهبت نفسه سرباً كالنقش على الماء ..فصاح به العارف.."لماذا ثنت عنان عزمك؟؟ فقال يا أخي ماذا أفعل أما وقدمي لا تتقدم فإن النكوص بي أولى.فأجابه العارف بالله"اطرح ما أخذته من سيبوية وقولوية،وما طلبته لدى ابن الحاجب وابن مالك واعبد الماء. هذا مقام ينبغي فيه المحو لا النحو.فإذا محيت سرت على الماء بلا خطر. -أجد أننا بالفعل فى هذه الآونة لا بُد لنا من المحو-محو كل موروث ومدسوس والنظر إلى جوهر الإيمان والدين لا إلى الشكل والملبس وترك الأصل بل جهاد النفس عن كل سوء والتسلح بالقيم والأخلاق التى أنزلها لنا الرحمن كى تكون دستور حياتنا وحجاب انفسنا عن كل مايكرهه الخالق الأعظم. يجب علينا تنفيذ هذه الكلمات الإلهية: "كُونُوا فِي الطَّرْفِ عَفِيفَاً وَفِي الْيَدِ أَمِينَاً وَفِي اللِّسَانِ صَادِقَاً وَفِي الْقَلْبِ مُتَذَكِّراً" (بهاءالله) لا تحتجبوا بحجاب النفس لأني خلقت كل نفس خلقًا كاملاً حتى يُشاهد كمال صُنعي. إذًا بهذه الصورة كان كل نفسٍ قادر بنفسه أن يدرِك جمال السبحان ولا يزال يكون، فلو لم يكن قادرًا على ذلك يسقط التكليف عنه."(بهاءالله ) على أهل الإيمان أن يكونوا مظاهر العصمة الكبرى والعفّة العظمى، فقد ورد في النصوص الإلهية "(هم عباد) لو يمرون عليهم ذوات الجمال بأحسن الطراز لن ترتدّ أبصارهم إليهن" والقصد من هذه الآية أن التّنزيه والتّقديس من أعظم خصائص أهل الإيمان. فعلى المؤمنات الموقنات المطمئنّات أن يشتهرن بين أهل الآفاق بكمال التنزيه والتقديس والعفّة والعصمة والستر والحجاب والحياء حتى يشهد لهنّ الكلّ على نقاوتهنّ وطهارتهنّ وكمال عفتهنّ، لأن ذرّة من العفّة أعظم من مائة ألف سنة من العبادة في بحر من المعرفة..."(بهاءالله) يا حبيبي- أنت شمس سماء قدسي فلا تلطّخ نفسك بكسوف الدّنيا. اخرق حجاب الغفلة حتى تدلف من خلف السّحاب بلا ستر ولا حجاب، وتخلع على جميع الموجودات خلعة الوجود." (حضرة بهاء الله) ان القلب محل الاسرار الباقية لا تشغلوه بالاشياء الفانية . (بهاءالله) ما أراده الحق جل ذكره لنفسه هو قلوب العباد، لأنها كنائز لذكر ومحبة الله وخزائن للعلوم والحكم الإلهية. ان ارادة السلطان الازلي لا تزال كانت تطهير قلوب العباد من اشارات الدنيا وما فيها حتى تصلح لتجلي انوار مالك الاسماء والصفات. "لم يزل كان إصلاح العالم بالأعمال الطيّبة الطّاهرة والأخلاق الرّاضية المرضيّة." (حضرة بهاء الله) سوف يأتي اليوم الذي تعلو فيه العفة والديانة وحجاب النفس- بحيث لو أن إحدى ربُات الجمال التي بجمالها لا تعير للشمس ذرة أهمية، وليس لها نظير ومثيل في شؤون الحسن والجمال. ولو أنها خرجت مزينة بجميع جواهرها وزينتها الخارجة عن إحصاء أولي النهى، وخرجت بدون حجاب، وسافرت وحيدة منفردة، دون رقيب من مشرق الإبداع الى مغرب الإختراع، مارة بكل الديار وسائرة بكل الأقاليم، فإن الإنصاف والأمانة والعدل والديانة وفقدان الخيانة والدناءة، يجب أن يصل الى درجة بحيث لا تمتد يد تطاول أو تطمع الى ذيل ذروتها، او تنفتح عين خيانة او شهوة الى جمال عصمتها، الى أن تعود بعد سفرها من الديار الى محلها وموطنها، بقلب لا غبار عليه ووجه مستبشر. وبعد ذلك تفضل حضرة بهاءالله : بحول الله سأنقل العالم الى هذا المقام الأعلى، وسأفتح هذا الباب على وجوه الكل. وقد نزل من القلم الأعلى في هذا المقام وصدر من مصدر الأمر هذا البيان في مراتب أهل البهاء: (هم عباد لو يمرن عليهم ذوات الجمال بأحسن الطراز، لن ترتد أبصارهم إليهن، ولو يرون وادياً من الذهب، يمرون عليه كمر السحاب. كذلك نزل من مالك الرقاب). ولهذا يتفضل: (فسوف نرى الأرض جنة الأبهى). ففي هذا الحين لن نحتاج إلى حجاب أو نقاب فسوف تكون الأرواح فى حجاب عن كل ملذات الدنيا حباً وعشقاً للمحبوب الباقي. أهدى
هذا المقال إلى الزميل الفاضل دكتور هاشم عبود الموسوي والذى كان لحضرته الفضل
الأول فى كتابتي لهذا الموضوع. مع خالص امنياتى فى أن لا تحزن كلماتى أى من أعزائى
القرّاء أم الكتّاب-فالعبدة هذه تحترم الرأي الآخر وإيمان كل انسان بفكره
ومعتقده. May 06 محاولة عقيمة لتجريم الفكر البهائي في مصر تبوء بالفشلمحاولة عقيمة لتجريم الفكر البهائي في مصر تبوء بالفشل
أوردت عدّة مصادر إعلامية في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي أن اللجنة المشتركة من الدفاع والأمن القومي والشؤون الدينية في مصر طالبت البرلمان المصري بإصدار "قانون عاجل يجرّم الفكرالبهائي. (انظر http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=250572&pg=1http://www.nablustv.net/internal.asp?page=details&newsID=43632&cat=15 http://www.moheet.com/show_files.aspx?fid=250795)
وكما كان متوقعاَ، فإن هذه المحاولات جائت مسلحة بالإفتراءات السخيفة المعتادة عن المعتقدات البهائية وأهدافها. وبدأتها عناصر متطرّفة في البرلمان المصري، كما رافقتها ما يسمى بـ "تقرير سرّي من الأزهر يشجب البهائية ويستنكرها...".
وأوقفت حكمة القيادة البرلمانية مسار هذه المحاولة العقيمة "الدرامية" التي أدّت إلى "أزمة برلمانية"، قبل أن تكتسب أي زخم، كما وصفتها بأنها محاولة "غير دستورية."
وطبقاً لمقال نشر اليوم في جريدة "روز اليوسف"، وهي جريدة تعبّر عادة عن وجهات نظر السلطات المصرية، اضطرّت اللجنة المشتركة المذكورة آنفاً، إلى "حذف" التوصية "لتجريم الفكر البهائي وكل الذين يؤمنون به" لأن قانوناً كهذا "يخالف اللائحة الداخلية لمجلس الشعب" و"المادتين ٢و٤٠ من الدستور المصري اللتين تضمنان حرية المواطنة وحرية العقيدة." ولكن اللجنة المشتركة مازالت تواصل حديثها الطنان ضد "الفكر البهائي" وإظهار قلقها على الشباب المصري وانجذابهم له.
إن استراتيجية العناصر المتطرفة في المجتمع المصري وفي وسائل الإعلام والمسؤولين المتطرّفين المنتخبين الذين يدعمونها، كانت ومازالت تدهن البهائيين بفرشاة واحدة غارقة في دلو متسخ مليء بالإفتراءات والأكاذيب السافرة. وهم يقصدون وصم البهائيين من أجل غسل دماغ الجمهور غير المطلع ليمقتوا البهائيين ويبغضوهم. وتشتمل هذه الافتراءات على سبيل المثال لا الحصر: إتهامات بأن البهائية ليست ديناً سماوياً بل فكر وضعي هدّام؛ إتهامات بأن البهائيين هم عملاء للصهيونية والاستعمار الغربي يهدفون كحركة سياسية، لتدمير العالم الإسلامي وبنيته التحتية؛ إتهامات الفجور، وغشيان المحارم وتبادل الزوجات؛ إتهامات بأن البهائيين عملاء لإيران يهدفون هدم العالم العربي؛ إتهامات بـ "رشوة الشباب المصري للتحوّل إلى البهائية"؛ وهلمّ جرّاً من إفتراءات عددها وسخفها أكثر بكثير مما يتسع المجال لذكره هنا.
لو كانت في الحقيقة أية من هذه الإفتراءات صحيحة، لماذا يريد أي عاقل الإنتماء إلى هذا النوع من "الفكر"؟ لحسن الحظ يستطيع الشباب المصريين، ومعظمهم من المتعلمين، أن يقرؤوا لأنفسهم ويتحرّوا الحقيقة. ولا يمكن أن يخونهم ذكاؤهم في قبول السخافات التي تلقى عليهم.
لا يحق لأي إنسان أن يحكم على سماوية دين ما، إنما هو حق لله فحسب. فالدليل على كونه سماويًا يكمن في الدين نفسه وفي تعاليمه. ويمكن للمرء بكل بساطة أن يذهب إلى منبع الحقيقة ليشرب ويرتوي، وذلك من مصادر موثوقة في مثل http://info.bahai.org/arabic/ http://www.bahai.com/arabic/ كيف يمكن أن يتهموا البهائيين بالمكايد والنوايا السياسية وهم يعرفون جيداً أن إحدى أهم مبادئ الديانة البهائية هي عدم المداخلة في الأمور السياسية بصورة قطعية؟
كيف لهم أن يتهموا البهائيين "بالإنحلال الخُلقي" و"الإنحراف الفكري" وهم يعرفون جيداً أن تعاليمه تخالف ادعاءاتهم كل المخالفة؟ إنهم يعرفون جيداً أنه فيما يتعلق بالأخلاق والسلوك فكأي دين سماوي آخر لا حاجة للبحث بعيدًا؛ بل يكفي التمعن في العدد الغفير من الكتب البهائية. من الجلي أن سمو الأخلاق وحسن السلوك هما الحجر الأساسي الذي تقوم عليه دعائم الدين البهائي. ومن بين الأمثلة الكثيرة، يمكن أن نشير إلى المقتطفات التالية:
يا أحبّاء الله إنّ النزاع والجدال في هذا الدّور المقدس ممنوع وإنّ كل معتدٍ محروم. فيجب الأخذ بمنتهى المحبّة والصّدق والحق مع جميع المذاهب والأقوام قريبين كانوا أم غرباء ويجب إبداء اللطف والشفقة إليهم من أعماق القلب بل يجب أن تصل المحبّة واللطف بهم إلى درجة يحسب الغريب نفسه قريباً ويعتبر العدوّ نفسه بينهم صديقاً وأعني أن لا يفكر أحدٌ في تفاوت المعاملة لأنّ الإطلاق أمرٌ إلهي والتقييد من خواص الكائنات... إذن أيها الأحبّاء الأودّاء عاملوا جميع الملل والطوائف والأديان بمنتهى الصّدق والمحبّة والوفاء والشفقة والمودّة وحبّ الخير للجميع حتى يصبح عالم الوجود ثملاً من كأس البهاء وتزول من وجه الأرض ألوان الجهل والعداوة والبغضاء والحقد وتتبدّل ظلمة التفرقة عن جميع الشعوب والقبائل إلى أنوار الوحدة والوئام وإذا عاملتكم بقية الأمم بالجفاء فأنتم قابلوهم بالوفاء وإذا ظلموكم فعاملوهم بالعدل والإنصاف وإذا اجتنبوا عنكم فاجذبوهم وإذا ناصبوكم العداء بادلوهم الحبّ والوفاء وإذا أعطوكم سمّاً هبوهم شهداً وإذا جرحوكم كونوا لجراحهم مرهماً. هذه صفة المخلصين وسمة الصّادقين... (المصدر: كتاب "الواح وصاياى مباركه حضرت عبد البهاء" (معرّبة)، ص. ١٤-١٥)
کن في النعمة منفقاً وفي فقدها شاکراً وفي الحقوق أميناً وفي الوجه طلقاً و للفقراء کنزاً و للأغنيآء ناصحاً و للمنادي مجيباً وفي الوعد وفيّاً وفي الأمور منصفاً وفي الجمع صامتاً وفي القضآء عادلاً وللإنسان خاضعاً وفي الظلمة سراجاً وللمهموم فرجاً وللظمآن بحراً وللمکروب ملجأ وللمظلوم ناصراً وعضداً وظهراً وفي الأعمال متقياً وللغريب وطناً وللمريض شفآء وللمستجير حصناً وللضّرير بصراً ولمن ضلّ صراطاً ولوجه الصدق جمالاً ولهيکل الأمانة طرازاً ولبيت الأخلاق عرشاً ولجسد العالم روحاً ولجنود العدل راية ولأفق الخير نوراً وللأرض الطيبة رذاذاً ولبحر العلم فلکاً ولسمآء الکرم نجماً ولرأس الحکمة إکليلاً ولجبين الدهر بياضاً ولشجر الخشوع ثمراً. (لمصدر: كتاب "منتخباتى از آثار حضرت بهاء الله" ص. ١٨٢)
كيف يمكن لأية من هذه التعاليم أن تهدّد الأمن القومي في مصر على النحو الذي يدّعيه هؤلاء المتطرفون، الذين صرحوا أن خطر البهائيين أكبر من المنظمات الإرهابية الفتاكة التي تغزوا مجتمعهم في الوقت الراهن؟ ولماذا يريدون حماية الشباب المصري من هذه التعاليم؟ استراتيجيتهم واضحة جداً ويمكن شرحها في بضع كلمات بسيطة: خذ جميع التعاليم البهائية واعكسها 180 درجة حتى يصدّق حكاياتهم المختلقة أولئك الذين لا يستطيعون القراءة لأنفسهم، وهذا بدوره يخدم مخططتهم لخلق بيئة معادية لأي فكر تقدمي قد يهدّد طموحاتهم وسيطرتهم...
البهائيون في مصر لا يطلبون الكثير: يريدون فقط أن تتاح لهم الفرصة، على قدم المساواة مع سائر المواطنين، ليستمروا في حبّ مجتمعهم وخدمته وللمساهمة في تقدّمه ونجاحه. وفي المقابل إنهم يتوقون إلى أن يبادلهم المجتمع بالمحبة فقط— فمن الطبيعي أن تكون هناك مثل هذه المشاعر.
حمداً لله سبحانه وتعالى، تظلّ مصر مجتمعاً متنوّراً قادراً على إيقاف هذه المحاولات اليائسة التي تهدف إلى تمزيق نسيجه المتنوع وحاجته للتقدّم والتطوّر. وهذه الحادثة هي مثال آخر على إرادة مصر لترويج مجتمع عادل ومتسامح يبتغي الانضمام إلى بقية الأمم في حسن النية والإزدهار. فحضارة مصر الشهيرة وتراثها العريق خير شاهد على ذلك. ولا يمكننا أن نتوقع من حكمة ورؤية قادتها، الذين يرغبون في مستقبل مشرق ومزدهر ومليء بالأمل للشعب المصري، أي شيء أقلّ من ذلك. معرّبة من مدونة (http://www.bahai-egypt.org/2009/05/futile-attempt-to-criminalize-bahai.html)
وتابعوا معنا على البي بي سي
April 21 صرخة إلى العالم الإنساني- انقذوا هؤلاء الإنسانصرخة إلى العالم الإنساني- انقذوا هؤلاء الإنسان
April 15 محو التعصّبات بجميع أنواعهامحو التعصّبات بجميع أنواعها يخاطب حضرة بهاءالله الجنس البشري بقوله: يا أبناء الإنسان هل عرفتم لم خلقناكم من تراب واحد لئلا يفتخر أحدٌ على أحد وتفكروا في كل حين في خلق أنفسكم إذاً ينبغي كما خلقناكم من شيء واحد أن تكونوا كنفس واحدة بحيث تمشون على رجل واحدة وتأكلون من فمٍ واحد وتسكنون في أرضٍ واحدة وحتى تظهر من كينوناتكم وأعمالكم وأقوالكم آيات التوحيد وجواهر التجريد هذا نصحي عليكم يا ملأ الأنوار فانتصحوا منه لتجدوا ثمرات القدس من شجر عزٍّ منيع. - الكلمات المكنونة بتعمقنا في هذه الكلمات يمرّ بخاطرنا شريط من تاريخ البشرية يقطر دماً في كثير من أجزائه بفعل الحروب المدمرة والمنازعات والمشاحنات والحروب الاهلية والاقليمية وبعث العداء والكراهية في النفوس بين فئات المجتمع وتوارثها من جيل إلى جيل. فلو استعرضنا جذور هذه الآفة الهادمة للبنيان الانساني لوجدناها نابعة من التعصبات بأنواعها، والكل يعلم بأنه: من الواضح أن بعثة الأنبياء لم تكن تهدف إلا لغرض توحيد كلمة البشر وجمع شملهم وربطهم بعرى المحبة والتعاون والاتفاق لتستقيم أحوال المجتمع البشري وتستحكم أسس السعادة والرفاه للجميع. بيد أنه من المعلوم وياللأسف أن كثيراً ما أسيٴ فهم التعاليم السماوية والنصائح المشفقة الربانية التي جاء بها أولئك الانبياء، فظهرت بين تابعيهم ومروّجي عقائدهم البدع المخالفة والتعاليم الباطلة والاوهام السقيمة وبالتالي ألوان من التعصبات المميتة الشنيعة كالتعصبات الجنسية أو العرقية، والتعصبات الوطنية والطبقية واللونية واللغوية وجرى الجميع وراء الاطماع المادية بروح التفوق والاستعلاء ونشأت الاطماع الاستعمارية ووقعت الحروب الطاحنة لأجل امتلاك الأراضي والتوسع الاقليمي على حساب الأمم الضعيفة والشعوب المتأخرة، واشتدت روح العداء والبغضاء بين الأمم والشعوب، وباتت الحروب تجر الحروب ولكن على مقياس أوسع وأوسع وتهدد الجنس البشري بالفناء والدمار في عاقبة الأمر. فالتعاليم البهائية ترمي إلى محو التعصبات كافة لأنها هادمة لبنيان العالم الانساني وكيانه، جالبة لشقائه وتعاسته وبلائه، ولن تسود الراحة والاطمئنان ولن يستقر الصلح والسلام بين الأنام ما لم تُنبذ تلك التعصبات المهلكة نبذاً تاماً ويعامل الناس بعضهم بعضاً بنهاية المحبة والعدل والإخاء مؤمنين بمبدأ وحدة البشر، وأن لا فضل لإنسان على إنسان إلا على قدر عمله وخدمته لعالم الإنسان. - "ملخص المبادئ البهائية"، الطبعة الرابعة، سنة ١٩٩٧، ص٥٧-٥٨ وما التعصبات إلا أفكار ومعتقدات نسلّم بصحتها ونتخذها أساساً لأحكامنا، مع رفض أي دليل يثبت خطأها أو غلوّها، وعلى هذا تكون التعصبات جهالة من مخلّفات العصبية القبلية. وأكثر ما يعتمد عليه التعصب هو التمسك بالمألوف وخشية الجديد لمجرد أن قبوله يتطلب تعديلاً في القيم والمعايير التي نبني عليها أحكامنا. فالتعصب نوع من الهروب، ورفض لمواجهة الواقع. بهذا المعنى، التعصب أيا كان، جنسياً أو عنصرياً أو سياسياً أو عرقياً أو مذهبياً، هو شرّ يقوّض أركان الحق ويفسد المعرفة، بقدر ما يدعّم قوى الظلم ويزيد سيطرة الجهل. وبقدر ما للمرء من تعصب يضيق نطاق تفكيره وتنعدم حريته في الحكم الصحيح. ولولا هذه التعصبات لما عرف الناس كثيراً من الحروب والاضطهادات والانقسامات. ولا زال هذا الداء ينخر في هيكل المجتمع الانساني ويسبب الحزازات والاحقاد التي تفصم عُرى المحبة والوداد. إن البهائية بإصرارها على ضرورة القضاء على التعصب، إنما تحرّر الانسان من نقيصة مستحكمة، وتبرز دوره في إحقاق الحق وأهمية تحلّيه بخصال العدل والنزاهة والانصاف. - "الدين البهائي" - الصادر عن الجامعة البهائية العالمية عام ۱٩٩٤م ويحدثنا حضرة عبدالبهاء عما ابتليت به البشرية من حروب فتاكة بسبب التعصب الديني بقوله: منذ أوّل تاريخ البشريّة إلى يومنا هذا كفر أتباع الأديان المختلفة في العالم بعضهم بعضاً ونسب بعضهم الباطل إلى البعض الآخر، وأخيراً قام بعضهم بمعاداة البعض الآخر بكلّ وسائل الجّفاء والبعاد. لاحظوا تاريخ الحروب الدّينيّة تروا أنّ الحروب الصليبيّة كانت إحدى هذه الحروب العظيمة... وكانت الحرب سجالاً مدّة قرنين بين شدّة وضعف، إلى أنْ رَحَلَ أصحاب تلك المذاهب الأوروبيّة عن الشّرق، وتركوا البلاد خراباً يباباً كما تترك النّيران أكوام الرّماد، ورجعوا إلى بلادهم، فشاهدوا أممهم في منتهى الفوضى والاضطراب والهياج. وخلاصة القول سمّيت هذه الحروب الصّليبيّة بالحروب المقدّسة، وكانت هناك حروب دينيّة كثيرة أخرى. فقد كان للمذهب البروتستانتي ٩٠٠ ألف شهيد نتيجة النّزاع والاختلاف بين المذهبين الكاثوليكي والبروتستانتي، وكم من أرواح أزهقت في السّجون، وكم من الأسرى عوملوا بقسوة لا هوادة فيها ولا شفقة. وكان كلّ ذلك يجري باسم الدّين. فعندما طلع حضرة بهاءالله من أفق الشّرق طلوع الشّمس المنيرة للآفاق أعلن بشارة وحدة العالم الإنساني، وخاطب عموم البشر متفضّلاً: "كلّكم أثمار شجرة واحدة وأوراق غصن واحد. فالشّجرة شجرة واحدة لا شجرتان رحمانيّة وشيطانيّة، لذا يجب أنْ يعامل بعضنا البعض الآخر بمنتهى المحبّة، فلا تعتبر طائفة طائفة أخرى شيطاناً، بل يجب علينا أنْ نؤمنَ أنّ جميع البشر عبيد الله وكلّ ما في الأمر أنّ بعضهم غافلون تجب تربيتهم، وبعضهم جهلاء يجب تعليمهم، وبعضهم أطفال تجب تربيتهم حتّى يصلوا مرحلة البلوغ. فهم مرضى فسدت أخلاقهم، ولا بُدّ من معالجتهم حتّى تتطهّر أخلاقهم. والمريض لا تجوز عداوته بسبب مرضه، وكذلك لا يجوز الابتعاد عن الطّفل بسبب طفولته، ولا يجوز احتقار الجّاهل بسبب جهله، بل تجب معالجته وتربيته وتـنشئته بمنتهى المحبّة، ويجب أنْ نبذلَ الجّهد حتّى يرتاح البشر في ظلّ الله، ويعيشوا في منتهى الرّاحة والاطمئنان والسّرور الموفور." - مترجم عن مجلة "نجمة الغرب"، المجلد الثامن، ص ٧٦
التعصبات العنصرية والوطنية ... والعقيدة البهائيّة القائلة بوحدة الجنس البشري تضرب بمعولها على جذور عامل آخر من عوامل الحروب وهو التّعصب العنصري، فقد اعتبر عنصر من العناصر البشريّة نفسه متفوّقاً على العناصر الأخرى، وآمن جرياً على قانون "بقاء الأنسب" بأنّ تفوّقه هذا يمنحه حقّ استغلال الشّعوب الضّعيفة بل حقّ إبادتها. وقد اسودّت كثير من صفحات تاريخ العالم بشواهد وأمثلة تطبيق هذا المبدأ تطبيقاً قاسياً لا مروءة فيه. أمّا وجهة النّظر البهائيّة فتقول إنّ النّاس من أي عنصر كانوا متساوون في قيمتهم أمام الله، وكلّهم يمتلكون من المَلَكات الفطريّة البديعة ما يحتاج إلى تربية تتـناسب وتطوّرهم، وإنّ كلّ عنصر يستطيع أنْ يلعب دوراً، فيزيد حياة الجّامعة البشريّة غنى وكمالاً. فيقول حضرة عبدالبهاء: أمّا التّعصب الجنسي فهذا وَهْمٌ من الأوهام. لأنّ الله خلق البشر جميعهم. وكلّنا جنس واحد. وليست في الوجود أبداً من حدود، ولم تتعيّن بين الأراضي ثغور. ولا تتعلّق قطعة من الأرض بأمّة أكثر من تعلّقها بأمّة أخرى وجميع الأجناس البشريّة واحدة لدى الله، لا امتياز بينها. إذاً فلماذا يجب أنْ يخترعَ الإنسان تعصّباً كهذا التّعصب؟ أفهل يجوز لسبب وهميّ أنْ نتـنازعَ ونتحاربَ؟ فلِمَ يخلق الله البشر؟ أمن أجل أنْ يهلك بعضهم بعضاً. وانّ لجميع الأجناس والملل والطّوائف والقبائل نصيب من فيض عناية الأب السماوي. ويمتاز البشر بعضهم عن بعض في الأخلاق وفي الفضائل وفي الإيمان وفي إطاعة شريعة الله، فبعضهم كالمشاعل مشتعلون وبعضهم كالنّجوم الدرهرهة في سماء الإنسانيّة ساطعون. والنّفوس الّتي تحب العالم الإنسانيّ ممتازة سامية، سواء أكانت سوداء أم صفراء أم بيضاء أم من أيّة ملّة أو عنصر وهي مقرّبة إلى الله. - مترجم عن كتاب "خطابات عبدالبهاء" الفارسية، المجلد الاول، ص١٦١-١٦٢ أمّا التّعصب السّياسي أو الوطني فلا يقلّ ضرراً ووبالاً عن التّعصب العنصري. وقد حان الوقت الّذي فيه تندمج الوطنيّة القوميّة في وطنيّة أوسع منها حين يكون العالم كلّه وطناً لها. ويقول حضرة بهاءالله في "لوح الدّنيا" ما ترجمته: ولقد قيل سابقاً ’حبّ الوطن من الإيمان‘، ونطق لسان العظمة في يوم الظّهور’ليس الفخر لمن يحبّ الوطن بل لمن يحب العالم‘، فعلّم طيور الأفئدة بهذه الكلمات العاليات طيراناً جديداً، ومحا التحديد والتقليد من الكتاب.
January 28 من هو بهاء الله حامل الرسالة الإلهية البهائية للعالم الإنسانيحضرة بهاء اللهصاحب الرسالة الإلهية (١٨١٧-١٨٩٢)"وإنما الوجه الذي رأيته، لا أنساه ولا يمكنني وصفه، مع تلك العيون البرّاقة النافذة التي تقرأ روح الشخص. وتعلو جبينه الوَضّاح العريض القدرة والجلال... فلم أك إذ ذاك في حاجة للسؤال عن الشخص الذي امتثلت في حضوره، ووجدت نفسي منحنياً أمام من هو محطّ الولاء والمحبة التي يحسده عليهما الملوك، وتتحسر لنوالهما عبثاً الأباطرة!"(١) بهذه الكلمات وصف المستشرق إِدوارد غِرانفيل براون، الأستاذ بجامعة كمبريدج، حضرة بهاء الله حين تشرف بزيارة حضرته عام ١٨٩٠ في سجن عكا في فلسطين. وكان حضرة بهاء الله حينها رهين السجن طال نفيه عن وطنه لمدة قاربت الأربعين عاماً، وكانت رسالته آنذاك يحيط بها الغموض بسبب القيود المفروضة عليها، والدعوات المغرضة التي يطلقها أعداؤها. أما اليوم فيعترف الملايين من أتباعه المؤمنين في أرجاء العالم كافة بأنه صاحب الرسالة الإلهيّة لهذا العصر والمربّي الرّوحي لأهل هذا الزمان. ويعتقد البهائيون أنَّ الله سبحانه وتعالى يبعث برسله في فترات مختلفة من التاريخ فيؤسّس هؤلاء، كما فعل موسى وإبراهيم وعيسى ومحمد وكرشنا وبوذا عليهم السلام، أَديانَ العالم ونظمه الروحية. إنّه الخالق الودود يبعث برسله الينا كي نتمكن من التعرف عليه والتعبد لديه بحيث نتمكن من بناء حضارة إِنسانية دائمة التقدم فيما تحقّقه من انجازات عظيمة. إِنَّ مقام رسل الله ومظاهر أمره مقامٌ فريد متميّز في عالم الخلق. فرسل الله ومظاهر قدرته يتمتعون بطبيعة ثنائية إِنسانيّة وإلهيّة في آن معاً دون أنْ يكونوا في مقام الله سبحانه وتعالى، وهو الخالق المنزّه عن الادراك. وفي هذا المجال كتب حضرة بهاء الله في وصف الله سبحانه وتعالى ما يلي: "إنَّه لم يزل ولا يزال كان متوحّداً في ذاته ومتفرّداً في صفاته وواحداً في أفعاله وإنَّ الشبيهَ وَصْفُ خلقه والشريكَ نعتُ عباده، سبحان نفسه من أَنْ يوصف بوصف خلقه، وإنَّه كان وحده في علوّ الارتفاع وسموّ الامتناع ولن يَطِرْ إلى هواء قدس عرفانه أطيار أفئدة العالمين مجموعاً، وإنَّه قد خلق الممكنات وذَرَأ الموجودات بكلمة أمره."(٢) إِضافةً إلى ذلك يوجّه حضرة بهاء الله هذا الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى فيقول: "سبحانك سبحانك من أنْ يقاس أمرك بأمر أو يرجع اليه الأمثال أو يُعرف بالمقال، لم تزل كنت وما كان معك من شيء ولا تزال تكون بمثل ما كنت في علوّ ذاتك وسموّ جلالك، فلما أردتَ عرفان نفسك أَظهرتَ مظهراً من مظاهر أمرك وجعلته آية ظهورك بين بريّتك ومظهر غيبك بين خلقك..."(٣) وفي شرحه للعلاقة القائمة بين المظهر الإلهي والخالق السماوي استخدم حضرة بهاء الله مَثَل المِرآة، فالمِرآة تعكس نور الشمس، تماماً كما تعكس المظاهر الإلهيّة نور الله، وكما أنّه لا يمكن مقارنة الشمس بالمِرآة، كذلك لا يمكن مقارنة المظهر الإلهي بالحقيقة الإلهيّة: "إنَّ هذه المرايا القُدُسية... كلّها تحكي عن شمس الوجود تلك، وذلك الجوهر المقصود، فَعِلْمُ هؤلاء مثلاً من علمه هو، وقدرتهم من قدرته، وسلْطنتهم من سلْطنته، وجمالهم من جماله..."(٤) إنَّ رسالة حضرة بهاء الله لهذا العصر هي في الأَساس رسالة العدل والوحدة والاتّحاد، فقد كتب يقول: "أحبُّ الأشياء عندي الإنصاف،"(٥) وكرّر القول في موضعين آخرين بأن "العالم وطن واحد والبشر سكّانه"(٦) وبأنَّه "لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلاّ بعد ترسيخ دعائم الاتِّحاد والاتِّفَاقِ."(٧) هذا ما وصفه الرّحمن من دواء ناجع لشفاء علل العالم. ورغم أنَّ مثل هذه التصريحات والبيانات أَصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ مما يفكّر به عموم الناس، فَلَنا أنْ نتصور كيف باغتت هذه الآراء والأفكار شخصاً مثل إِدوارد غِرانفيل براون حين وجّه اليه حضرة بهاء الله هذه الكلمات في تصريحه الرائع حيث قال: "الحمد لله إذ وصلتَ... جئتَ لترى مسجوناً ومنفيّاً... نحن لا نريد إلاّ إصلاحَ العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقين للحبس والنفي... فأي ضرر في أنْ يتّحد العالم على دين واحد وأنْ يكون الجميع إخواناً، وأن تُستَحكَم روابط المحبّة والاتحاد بين بني البشر، وأنْ تزول الاختلافات الدينية وتُمحى الفروق العِرقية؟ ...ولا بدّ من حصول هذا كلّه، فستنقضي هذه الحروب المدمرة والمشاحنات العقيمة وسيأتي الصلح الأعظم..."(٨) وُلد حضرة بهاء الله في بلاد فارس في القرن التاسع عشر في أسرة عريقة مرموقة الجانب، وكان من البديهي أنْ يجد نفسه في بُحبوحة من العيش وقسط وافر من الثراء. إلاّ أنّه ومنذ زمن مبكّر لم يُبدِ اهتماماً بالسير على خُطى والده والدخول إلى بلاط الشاه، مُؤثِراً أن يصرف جُلّ وقته وإمكاناته في رعاية الفقراء والحدب عليهم. وفيما بعد سُجن حضرة بهاء الله وتم نفيه نتيجة اعترافه بدين حضرة الباب الذي قام يبشّر بدعوته عام ١٨٤٤ في بلاد فارس، وهو الذي كان مُقدّراً له أنْ يحقّق ما جاء به الإسلام من الوعود والنبوءات. أشار حضرة الباب في آثاره إلى قرب مجيء الموعود الذي بشّرتْ به الأديان العالمية كلّها، فكان أنْ أعلن حضرة بهاء الله بأنَّه ذلك الموعود المنتظر، فخصّ العصر الذي شهد مجيء رسالته بهذا التمجيد والثناء: "إن هذا اليوم هو سلطان الأيّام جميعها، إنّه يوم ظهر فيه محبوب العالم، ومقصود العالمين منذ أزل الآزال."(٩) وفي مناسبة أخرى يضيف قائلاً: "قل إنيّ أنا المذكور بلسان الإشعيا وزُيّنَ باسمي التوراة والإنجيل."(١٠) أمّا في حقّ نفسه فقد صرح مؤكدا: "إنَّ قلم القدس قد كتب على جبيني الأبيض بنور مبين أنْ يا ملأ الأرض وسكان السماء هذا لهو محبوبكم بالحقّ وهو الذي ما رأت عين الإبداع شبهه والذي بجماله قرّت عين الله الآمر المقتدر العزيز."(١١) وأَما بخصوص رسالته فقد قال: "فلمّا انقلبت الأكوان وأهلها والأرض وما عليها كادت أَنْ تنقطع نسمات اسمك السبحان عن الأشطار وتَركُد أرياح رحمتك عن الأقطار. أقمتَني بقدرتك بين عبادك وأمرتني باظهار سلطنتك بين بريّتك. قمتُ بحولك وقوّتك بين خلقك وناديتُ الكلّ إلى نفسك، وبشّرتُ كلَّ العباد بألطافك ومواهبك ودعوتُهم إلى هذا البحر الذي كلُّ قطرة منه تنادي بأعلى النداء بين الأرض والسماء بأنه محيي العالمين ومُبعِثُ العالمين ومعبود العالمين ومحبوب العارفين ومقصود المقرَّبين."(١٢) وعَرَفَ حضرة بهاء الله أول ما عرف تباشير الظهور الإلهي أثناء الفترة الأولى في السجن، فوصف تجربته تلك بهذه الكلمات: "وبالرّغم من أنّ النوم كان عزيز المنال من وَطْأة السلاسل والروائح المنتنة حين كنت رهين سجن أرض الطاء [طهران] إلاّ أَنَّني كنت في هَجَعاتي اليسيرة أُحسّ كأنّ شيئاً يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري كأنّه النهر العظيم ينحدر من قُلَّة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء. في ذلك الحين كان اللّسان يرتّل ما لا يقوى على الإصغاء إليه أحد."(١٣) وخلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن أنزل حضرة بهاء الله من الآيات الإلهيّة ما يقع في أكثر من مائة سِفْرٍ مجلّد. فأفاض علينا قلمه المبارك مجموعة من الألواح والبيانات احتوت الكتابات الصوفية، والتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، والأوامر والأحكام، بالإضافة إلى إعلانٍ واضح صريح لا لبس فيه عن رسالته وَجَّهَه إلى الملوك ورؤساء الدول وحكامها في العالم، بمن فيهم نابليون الثالث، والملكة فكتوريا، والبابا بيوس التاسع، والشاه الفارسي، والقيصر الألماني ويلهلم الأول، والامبراطور فرانسس جوزيف النمساوي، وآخرون. إنَّ مفهوم الطبيعة الإنسانيّة في رسالة حضرة بهاء الله يقوم على التأكيد على كرامة الإنسان وما فُطر عليه من خُلُقٍ نبيل. وفي أحد آثاره المباركة يخاطب حضرة بهاء الله الإنسان بلسان الحقّ فيذكّره بمنشأه ومنتهاه: "يا ابن الروح! خلقتك عالياً، جعلتَ نفسك دانية، فاصعد إلى ما خُلقتَ له."(١٤) ويصرّح في موضع آخر: "انظر إلى الإنسان بمثابة منجمٍ يحوي أحجاراً كريمة، تخرج بالتربية جواهره إلى عَرَصة الشهود وينتفع بها العالم الإنسانيّ."(١٥) ويعود حضرة بهاء الله فيؤكد بأنَّ كلّ إنسان قادرٌ على الإيمان بالله، وكل ما هو مطلوب قَدرٌ من التجرد والانقطاع. "وإذا ما تَطَهّر مشام الروح من زُكام الكون والإمكان، لوجد السالك حتماً رائحة المحبوب من منازلَ بعيدة، ولَوَرَدَ من أثر تلك الرائحة إلى مصر الإيقان لحضرة المنّان وليشاهد بدائع حكمة الحضرة السبحانية في تلك المدينة الروحانية... وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهيّة في كل عهد... وفي هذه المدائن مخزونُ ومكنونُ الهدايةِ والعنايةِ، والعلمِ والمعرفةِ، والإيمانِ والإيقانِ لكل من في السّموات والأَرضين..."(١٦) وقد وصف حضرة عبد البهاء، الإبن الأَرشد لحضرة بهاء الله ومركز عهده وميثاقه، رسالة والده بهذه الكلمات: "تحمّل حضرة بهاء الله جميع البلايا حتى تتحوّلَ النفوس لتصبح نفوساً سماوية، وتتحلّى بالأخلاق الرحمانية، وتسعى لتحقيق الصلح الأَكبر، لتؤيَّدَ بنفثات الروح القُدُس، فتظهر الودائع الإلهيّة المخزونة في الحقيقة الإنسانيّة، وتصبح النفوس البشرية مظاهر الأَلطاف الإلهيّة، ويتحقق ما جاء في التوراة بأنَّ الإنسان قد خلق على مثال الله وصورته. خُلاصة القول بأنَّ تَحَمُّل حضرة بهاء الله لهذه البلايا ما كان إلاّ لكي تستنير القلوب بنور الله، ويُعوَّض عن النقص بالكمال، ويُستعاض عن الجهل بالحكمة والمعرفة، ويكتسب البشر الفضائل الرحمانية، ويرتقي كل ما كان أرضياً ليجد سبيله في الملكوت السماوي، ويغتني كل ما كان فقيراً ليجد عزّته أيضاً في كنوز الملكوت السماوي."(١٧) صَعِدَ حضرة بهاء الله إلى الملكوت الأَعلى عام ١٨٩٢، وهو لا يزال سجيناً في فلسطين. وبعد مضي مائة عام على صعوده احتفلت الجامعة البهائية العالمية في عام ١٩٩٢ بالسّنة المقدسة تخليداً لتلك الذكرى المئوية المباركة. ففي شهر أيار (مايو) من ذلك العام اجتمعت في الأراضي المقدسة وفي رحاب ضريحه الطاهر وفود حافلة من آلاف البهائيين يمثلون ما يزيد على مئتي بلد ومنطقة، تعبيراً عن ولائهم له وتعظيماً لقدْره، وتبع ذلك في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه مؤتمر حافل في مدينة نيويورك حضره ما يقرُبُ من سبعة وعشرين ألفاً من أَتباعه. فاحتفل هؤلاء في جو من الإجلال والبهجة بذكرى إعلان حضرة بهاء الله لميثاقه المتين الذي صانَ وحدة صف المؤمنين منذ بزوغ فجر الدعوة الكريمة. كما صدر خلال ذلك العام المتميز "بيان" خاص كان الهدف منه تعريف الناس في كل مكان بسيرة حضرة بهاء الله وفحوى رسالته السمحاء. ويجدُر بكل من أراد أنْ يزداد معرفة برسالة حضرة بهاء الله وسيرته الطاهرة، أَنْ يتمعّن في آثاره المباركة من الدعاء والمناجاة، وأنْ يتحرّى حقيقة الدعوة التي نادى بها، وإِعلانه الكريم بأَنَّه "موعود كل الأزمنة." وعليه أخيراً أنْ يفكر ملياً في وَعْده المستقبلي حين يقول "ستنقضي هذه الحروب المدمّرة والمشاحنات العقيمة وسيأتي الصّلح الأعظم."
المراجع (۱) جون أسلمنت، منتخبات من كتاب بهاء الله والعصر الجديد: مقدمة لدراسة الدين البهائي، بيروت، مؤسسة دار الريحاني، ١٩٧٢، ص٤٥. January 14 المحرمات من النساء فى البهائية و زواج المحارم
المحرمات من النساء فى البهائية و زواج المحارم
لايوجد نص واحد فى الكتب البهائية يجيز ذلك وقد تم شرح ذلك فى الكتاب الأقدس حيث جاء في شروحه: " ...إنّ اكتفاء الكتاب الأقدس في باب زواج الأقارب على تحريم زوجة الأب وحدها، لا يعني إباحة الزّواج بين باقي المحارم، فقد صرّح حضرة بهاء الله أنّ تحريم الزّواج وتحليله بين الأقارب هما من الأمور الّتي ترجع إلى تشريع بيت العدل (وهو المرجعية الدينية لكل البهائيين في العالم). وقد كتب حضرة عبد البهاء بأنّه: "كلّما بعدت صلة الدّم بين الزّوجين كان ذلك أفضل، لأنّ مثل هذا الزّواج يهيّئ الأساس للسّلامة البدنيّة للبشر، ويبعث على المودّة بين بني الإنسان". إن نظرة الدين البهائي من حيث أنه "كلّما بعدت صلة الدّم بين الزّوجين كان ذلك أفضل" شاملة وواسعة إلى حد كبير وتتعارض بشكل جذرى مع ما إدعاه الباحث فى دراسته، فنجد الآن أن العلم قد توصل وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الجينات الوراثية المتنحية تنتقل إلى أبناء الأقارب من الدرجة الأولى بدرجة أكبر كثيراً من الدرجة الثانية وكلما زادت درجة تباعد صلة القرابة بين الأزواج قل إنتقال الصفات الوراثية السلبية للأبناء. وكما سبق توضيحه فإن عدم ذكر المحارم كالأم والأخت في الكتاب الأقدس، لا يعني بأي حال من الأحوال إباحتها فقد رسخ تحريم هذه الدرجات فى أفهام الناس نتيجة تعاليم الرسالات الإلهية السابقة وأصبحت عرف إجتماعي يطبقه البشرحتى فى المجتمعات اللادينية وهو يتفق مع ما أكده وعززه العلم الحديث لما تسببه من ضرر بيولوجي فادح للجنس البشري ولقد ترك الكتاب الأقدس الأمر لبيت العدل الأعظم في هذا الشأن للإستفادة من التقدم العلمي مستقبلا ليضيف ما يراه ويكشف عنه من زيادة درجات التحريم. لذا سوف تتسع دائرة المحارم مستقبلاً عن ما هو راسخ حاليا وفقاً لما تكشف عنه الأبحاث العلمية في مجال الجينات والهندسة الوراثية . ويلاحظ أن الكتاب الأقدس قد أكد على ما قد سبق ذكره في القرأن الكريم من تحريم الزواج من زوجة الأب كتحريم أخلاقي لابد من التأكيد عليه وليس لأسباب بيولوجية أو علمية كما ورد في السابق.
" ....ان الله قد حلل على المؤمنين من المؤمنات غير ذى قرابتهم الام والبنت والاخت والعمة وما قد جعل الله بمثلها وبنات الاخ وبنات الاخت وممن قد حرم الله عليهم على حد الرضاع من الامهات والاخوات والحلائل من الابناء الذين من أصلابهم وان ذلك حكم فى كتاب الله على كلمة الفرقان بالحق وقد كان الحكم فى ام الكتاب مقضياً. ولا تجمعوا بين الاختين الفاطميين ولا بين الاختين الا ما قد قضى امره فسوف يغفر الله لكم
December 26 الميزانالميزانالميزان لغةً هو الأداة التي تُعرف بها أثقال وأوزان الأجسام، ويعني مجازاً تقدير المعاني والأعمال بنسبتها إلى قيم أخلاقية وروحانية متعارف عليها. ويعني أهل الفلسفة بالميزان العَلامَةَ التي تتبين بها الأشياء والمعاني فيتيسر الحكم عليها، وفي اصطلاح الكتب المقدّسة الميزان هو ما يُعِينُ العباد على تقدير سلوكهم بمقارنتها بالأوامر الإلهية لتتبيّن مدى مطابقتهما بُغيَةَ تقويم سلوكهم. وبعبارة أخرى الميزان لأهل الأديان هو سبيل لمعرفة مدى مناسبة تصرّفات الإنسان وسلوكه للقبول في ساحة الحقّ، فهو القسطاس الذي يوزن به وفاء المرء بعهد الله وميثاقه، وبه يتحدّد صدق النوايا، كالصراط المؤدي إلى النجاة والفلاح والرقيّ في معارج الكمال. وهذا ما يُستفاد من قوله تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بالقِسطِ"١، وفي هذا المعنى نفسه يقول حضرة بهاء الله: "اسمعوا ما تتلو السّدرة عليكم من آيات الله إنّها لَقِسطاسُ الهُدى من الله ربّ الآخِرَةِ والأُولى" ٢، وفي موضع آخر يحذّر حضرة بهاء الله من الخلط بين ميزان الله وموازين البشر فيتفضل بقوله عزّ بيانه: "قل يا معشر العلماء لا تزنوا كتاب الله بما عندكم من القواعد والعلوم إنّه لقسطاس الحقّ بين الخلق قد يوزن ما عند الأمم بهذا القسطاس الأعظم وإنّه بنفسه لو انتم تعلمون"٣. فبظهور المظهر الإلهي الجديد ينبض عالم الشهود بحياة جديدة وروح جديد، وفي ظل أحكامه الجديدة تصبح الأعمال مرآة تعكس أنوار الفضائل الإنسانيّة المنبعثة من الهداية الربانية الجديدة. وفي ظل أنوار وهدى الرسول الجديد يسود الوفاق والاتحاد رحمة من الله كما قال: "وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"٤ فالميزان بهذا المعنى عون للمؤمن في محاسبة النفس ومراقبتها وهو الحكم المبرم المُفرق بين النور والظلمة، وبين الخطأ والصواب. والميزان بهذا المعنى يستوي مفعوله في الدنيا والآخرة، ولو كان قصراً على الآخرة لما أنزله الله والكتاب على رسله في الحياة الدنيا. وجاء ذكر ذلك سابقاً في تفصيل معنى القيامة والساعة. أمّا نفع الميزان في الحياة الدنيا فيمكن فهمه من نصح حضرة بهاء الله للمؤمنين بالتفكّر في سلوكهم: "حاسب نفسك في كل يوم من قبل أن تحاسَب لأن الموت يأتيك بَغتَةً وتقوم على الحساب في نفسك"٥ فمسئولية العبد في هذا الحساب مسئولية شخصية وفردية، وبها يصارح المرء نفسه في خُلوَةٍ مع ضميره ويواجه بعزم وحزم جنوحه وميوله، ويكشف لنفسه عن حقيقة بواعثه، ويعترف بافتقاره. وفي ذلك مواجهة العبد لنفسه بالحقائق العارية لا بدافع اللوم والتبكيت أو استثارة الشعور بالذنب أو الحطّ من قدر نفسه، ولكن بُغيَةَ الإصلاح، وكبح الجماح، والتحرّر من الإثم، والخلاص من الهوى، وسعياً إلى السموّ، ومناشدة للعزّة، وأملاً في الحرية، والتقرّب إلى الله تعالى بمشابهة صفاته والامتثال إلى وصاياه ونواهيه. وكما أن للميزان كفّتين فكذلك لهذا الحساب جانبان: الأول: الإنسان بنقائصه وَهَوانِهِ وشهواته، وهي ميراثه من العالم المادي الذي انبثق منه جسده، والذي ينشد الخلاص من رِبقِهِ. والثاني: السعادة الحقة والنعيم الأبدي والهدى الرباني المتلألئ في الأحكام الإلهية، والرحمة الكبرى المتشعشعة من مواعظه تعالى وكلماته. ولكن ليتسنى للمرء إحكام الزمام في حساب النفس ينبغي عليه أن يتوفّر على عدد من الوسائل يستعين بها على الفوز في هذا الامتحان المليء بالعثرات. فعلاوة على مواظبته على مراقبة أقواله وأفعاله بدقّة يجب أن يُدرك المعاني السامية والصفات العالية التي يريد بلوغها والتي يتخذ منها معايير لأحكامه. وإن لم يكن هنا موضع للتوسع في هذا الموضوع تفصيلاً، إلاّ أن ما لا يقال كله لا يترك كله، فلا أقل من الوقوف لحظة على شاطئ هذا البحر المتلاطم الأمواج غير المحدود. فعلى الطالب أولاً: أن يتأمل في الغاية من خلقه، مؤمناً أن وجوده لم يكن عبثاً، وعليه أن يؤمن بأن خلق الإنسان، وما أُوتِيَ من قدرات ومواهب كان لهدف. وما عليه إلاّ أن يُقَلِّبَ النظر في مشاهد هذا الكون غير المتناهي، لكي يصل إلى اليقين بأن لكل موجود فيه مهما كانت رفعته أو دناءته وظيفة يتوقف عليها وجود آخر، وأن مراتب الوجود مرتبطة برباط وثيق، ويتوقف وجود كل منها وبقاؤه على وظيفة ووجود كائنات أخرى، فأجزاء هذا الكون الفسيح كله تفتقر إلى بعضها البعض، ويتوقف بقاؤها ونماؤها وكمالها على ما تؤدّيه الأجزاء الأخرى بدون أدنى استثناء، ولا يوجد في الخلق مستغنٍ أو مستقل عن غيره. فخاصية الوجود المادي الترابط والتبادل لمقومات الوجود والرقي في مراتبه. وعلى العبد أن يعلم أن تقويم نفسه هو سهم في تقويم المجتمع وإصلاح العالم، وبقدر محاسبته لنفسه يكون سهمه في عمران العالم. ولقد فصّل حضرة بهاء الله الغاية من خلق الإنسان في الصلاة التي يؤديها البهائي وقت الزوال: "أشهد يا إلهي بأنك خلقتني لعرفانك وعبادتك". وليس المقصود بالعرفان عرفان الذّات المنزّهة عن الإدراك، ولكن عرفان مظاهر الله وعرفان الصفات المنسوبة إلى الله وهي على قدر بعدها عن النسبة إلى الكمال الإلهي هي منتهي ما يصل إليه إدراك البشر، والتحلي بها هو غاية ما يستطيعه الإنسان في حياته الدنيا على الأقل. على أن المهم في هذا الجهاد هو تمسّك المرء بالصدق الصرف مع نفسه فلا يلتمس المعاذير عن هفواته، ولا يُخفي حقيقة البواعث على تصرفاته. فهذا معنى الميزان، والحساب الذي يأتي مع كل رسول. وهما نور تتجلّى في ضوئه حقائق الأشياء. وكما كان سيدنا محمد والسيد المسيح من قبله في زمانهما هُدىً للسابقين، يشرق اليوم النور نفسه من كلمات حضرة بهاء الله لينيرالسبيل لأهل العالم. ---------------------------------------------------١. سورة الحديد، آية ٢٥
December 11 القيامة والساعةالقيامة والساعةالقيامة والساعة تقدّم القول بأنّ أتباع كل رسالة دينية قد ورثوا الاعتقاد بأن رسالتهم آخر الرسالات الإلهية، وبها انقطع الوحي، فهم لا يتوقعون أي رسالات إلهية من بعد رسولهم، وكثير منهم - تحت تأثير هذا الاعتقاد - يقرأون النبوءات التي تخبر بظهور رسالة جديدة قراءة سطحية، عمادها تفسير الآيات التي تحوي رموزاً ومجازاً على أنَّ معانيها عين ما تدلّ عليه ألفاظها مع استبعاد الاحتمال أن يكون لها معان أخرى. من ذلك ما ورد في الكتب السماوية والأحاديث النبوية عن آخر الزمان والنبوءات التي تخبر عن القيامة، والساعة، ونفخ الصُّورِ، والصيحة، وما ماثلها. والقليل من الناس - بل وأقل من القليل - هم الذين يتفكرون في المقصود من نفخ الصور، أو ما هي تلك الصيحة التي تصل إلى أسماع العالم بأسره، أو كيف يتزامن مجيء المهدي ونزول عيسى مع انشقاق السماء، وتكوّر الشمس، وانطفاء شعاعها، وتساقط النجوم على الأرض، وتزلزل الأرض، ونسف الجبال نسفاً. ولا شك أن في هذه الآيات ما يدعو إلى المزيد من التفكير المتأمّل لفهم معانيها، لأن في تكوّر الشمس وانشقاق السماء وسقوط النجوم على الأرض مثلا نهاية محققة للحياة على وجه الأرض، بل فناء الأرض ذاتها. بينما هذه الآيات نفسها تجزم في الوقت نفسه بمجيء مبعوثين من الله في ذلك الوقت، وبعث الموتى إلى الحياة، ونشر العدل، والقضاء على الظلم، وإعمار الأرض وإصلاحها من جديد، وإشراق الأرض بنور ربها. ولعل من الجدير بالمرء أن يتساءل - لو أخذنا معاني هذه الآيات على ظاهر لفظها - لماذا يدمّر الله العمار الذي أقامه على هذا القدر من التنظيم والإبداع؟ ألا يمكن حساب الناس على ما كسبت أيديهم بدون هذه الكوارث التي لا علاقة لها بالحساب؟ وليس المقصد من إثارة هذه التساؤلات التشكيك فيما جاء في الكتب السماوية، بل التأمل فيها بغية استخلاص مراد الله منها. فكل هذه الأيات التي اعتبرها الجانب الأكبر من المفسّرين محكمات وواضحة الدلالة، هي في الواقع متشابهات أشكل فهمها على الناس لأنّها في الظاهر متناقضة، وغير مقبولة عقلاً، فلا بد من أن تكون لها معان أعمق مما ذهب إليها المفسرون في السابق. فالناس جميعا يتحدثون عن يوم موعود، عن الساعة، عن القيامة، ويتحدثون عن ويلاتها وأهوالها، وكل هذه أوصاف وردت لها فعلاً، ولكن ما معناها؟ الصور المتعدّدة التي تذكرها الكتب المقدّسة - وخاصة القرآن والإنجيل - تبعث الحيرة إذا أخذت معانيها على ظاهر ألفاظها، وأُغفل ما تنطوي عليه من مدلولات، ففي صورة يأخذنا الهلع من المصير المفزع الذي ترسمه وفي صورة أخرى نرى مصيراً متألقاً بأنوار الرحمة الكبرى. والقرآن الكريم يعرض صوراً متباينة لأحداث القيامة على نحو ملحوظ بحيث تحتل مكاناً هاماً من انتباه القارئ. وترسم إحدى هذه الصّور المصير المفزع الرهيب الذي ينتظر الناس في اليوم الموعود: "إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ"١، "وَانْشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ"٢ وكذلك: "إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ"٣ و"إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا فَكَانَت هَبَاءً مُنْبَثًّا"٤، و"إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا"٥ وغير ذلك من أوصاف من قبيل: يوم العذاب، ويوم الحسرة، ويوم الحساب، ويوم العقاب، ويوم الخزي، ويوم التّغابن. ويصف القرآن الكريم حالة الناس في ذلك اليوم الرهيب: "إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ يَومَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَملٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ"٦ "فَإِذا جَآءَتِ الصَّاخَّةُ يَومَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيْهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيْهِ وصَاحِبَتِهِ وَبَنِيْهِ"٧. ويرسم القرآن صّورة ثانية للقيامة تفيض بالرحمة وتشرق بالبشارة الكبرى وتغرّد على أفنانها ورقاء السماء بأناشيد البهجة والمصير المشرق: "يَومَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً"٨، وقوله أيضاً: "وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا"٩، وكذلك: "هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُم اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ وقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ"١٠، و"يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ"١١، "وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا"١٢. فإذا قصرنا فهمنا على مدلول ألفاظ هذه الآيات ومعانيها الظاهرة انتهينا إلى نتائج لا يقبلها العقل، فالانقلابات الكليّة المذكورة لو حدثت لن تترك فرصة لإنسان حتى يفرّ من أخيه وأمّه وأبيه، ولا للمرضع لتذهل عمّا أرضعت، ولا للإنسان أن يكون سكراناً وما هو بسكران. فماذا يكون حال الإنسان إذا السماء انشقّت، والأرض رُجّت، والجبال نُسفت، والشمس كُوّرت، والكواكب انكدرت، والبحور سُجّرت إلى آخره؟ هل يمكن تصوّر بقاء كائن حيّ بعد حصول هذه الانقلابات؟ ومع ذلك نصّ كتاب الله لا يترك مجالاً للشك في استمرار وجود الناس على قيد الحياة رغم ورود كل هذه الانقلابات الخطيرة. إذاً فمن المعقول أن تكون هذه الأوصاف قد وردت على سبيل التمثيل والتشبيه مشيرة إلى أمر عظيم بظهوره تحدث كل تلك الانقلابات بصورة معنوية. وهل هناك أمر أعظم من الوعد بورود الله، ولقاء العباد به تعالى؟ ولكن علّمنا رسل الله أنه سبحانه منزّه عن خصائص الأجسام وصفاتها وأنه أعظم من أن يحدّ ذاتَه حيّز أو مكان. إنّه غيب منيع يصفه حضرة بهاءالله بقوله عزّ بيانه: "إنّ غيب الهُويّة وذات الأحديّة كان مقدّساً عن البروز والظهور والصعود والنزول والدخول والخروج، ومتعالياً عن وصف كل واصف وإدراك كل مدرك، لم يزل كان غنياً بذاته، ولا يزال يكون مستوراً عن الأبصار والأنظار بكينونته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"١٣. ألا يكفي هذا للاقتناع بأن معاني هذه الآيات غير ما يدلّ عليه ظاهر لفظها؟ وهل هناك طريق آخر غير المجاز لفهم هذه الآيات المباركة على نحو يقبله العقل؟ ألا يمكن أن نقبل معنى مجيء الله على أنه مجيء مبعوث من الله في يوم موعود موسوم بهذا الاسم المقدّس العزيز المنيع؟ ألا تتحقق بواسطة هؤلاء المبعوثين معرفة الله والقرب منه ولقاؤه، وبدونهم يكون الطريق مسدوداً والطلب مردوداً؟ وهناك صورة أخرى يعرضها القرآن الكريم عن القيامة والساعة تعتبر بحقّ مفتاحاً لما أغلق فهمه على الأذهان، وتعين المتأمل فيها على إدراك معان أبعد وأعمق مما يقول به القانع بظاهر لفظها، وهي بذاتها تكفي للإقناع بأن معانيها - ما لم تؤخذ على المجاز - لا سبيل إلى فهمها إلاّ بقدر ما يفقه الطفل من أسرار الحياة. قال تعالى: "أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُم غَاشِيَةٌ مِن عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ"١٤، وقال تعالى: "وَأَنْذِرْهُم يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُم فِي غَفْلَةٍ وَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ"١٥ وقال أيضاً: "يَومَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِنْ نَاصِرِينَ"١٦. والسؤال كيف يمكن أن يحدث في يوم القيامة انشقاق السماء، وتكور الشمس، وسقوط النجوم، مع غفلة الناس عن وقوعها وعدم شعورهم بهذه الأحداث المهولة؟ وهل من المعقول أن يُكَفِّرَ الناس بعضهم البعض ويلعن بعضهم بعضا بينما الأرض تتزلزل وأحداث الساعة تهزّ كل ذرّة من ذرّات وجودهم؟ وهل يمكن أن يوجد مجال - وسط تلك الأحداث الهائلة - لاستمرار السب واللعن؟ ولنتفكّر في قوله تعالى: "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالإِيْمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ وَلَكِنَّكُم كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ"١٧. فهل يمكن عقلاً أن يقع انشقاق السماء، وتكور الشمس، وسقوط النجوم، بمعانيها الحقيقية والناس في غفلة من هذه الأمور المهولة؟ فلا مناص إذاً من حمل هذه الألفاظ على معان معنوية وروحانية تسمح بوقوع الزلزلة والرّجفة والناس عنها في غفلة وعلى غير علم. وهناك صورة أخرى ليوم القيامة. فقد رأينا للقيامة صورة فيها تنشق السماء، والأرض ترتج وتتزلزل، والجبال تُنسف وتُقلع، والشمس تتكوّر وتظلم، والكواكب تـنـتثر وتسقط. وصورة ثانية فيها جلال مجيء الربّ وملائكته، وورود الله، وتبديل الأرض والسموات، وإشراق الأرض بنور ربّها. وصورة ثالثة فيها جدال ونزاع بين الناس حتى يُكفّر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً. وها هي صورة رابعة تقدّم لنا القيامة في نفختين متتابعتين - نفخة تُصعق كل من في السموات والأرض إلاّ من يشاء الله، وتتبعها نفخة يقوم بها الناس وتشرق الأرض بنور ربّها ويجري الحساب ويتم الثواب والعقاب على هذه الأرض، كما قال تعالى: "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصُعِقَ مَنْ فِي السَّمَواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيْهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوَضِعَ الكِتَابُ وَجِاءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ"١٨. فالآية تشير إلى كتاب وقضاء بين الناس بالحقّ. فإذا قيل بأنّ الكتاب المقصود هو القرآن الكريم، فإنّ القرآن الكريم والإنجيل والتوراة كانت موجودة وقت نزول هذه الآية الكريمة، ولكنها مع ذلك تشير إلى كتاب يأتي بعد النفخ في الصُّورِ مرتين، وبعد انصعاق من في السموات والأرض وقيامهم مرة أخرى، وبعد إشراق الأرض بنور ربها. فلا بد أن يكون الكتاب المشار إليه كتاب آخر غير القرآن والانجيل والتوراة. ويشير سبحانه وتعالى في موضع آخر من كتابه العزيز إلى أنّ الخلود في الجنة والنار خلود دائم بدوام السموات والأرض، مما يؤكد أن السموات والأرض باقيتان بعد الحساب. فقد قال تعالى عن يوم القيامة: "يَومَ يَأْتِ لاَ تَكَلََّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُم شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُم فِيْهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فَيْهَا مَا دَامَتِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيْهَا مَا دَامَتِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ"١٩. وهذا تأكيد بدوام الأرض والسماء أثناء قيام الساعة وبعدها، الأمر الذي يناقض تكوّر الشمس، وانشقاق السماء، وزلزلة الأرض، ودكّ الجبال إذا حملنا هذه الألفاظ على معانيها الظاهرة. والخلاصة أن هذه الآيات المباركة وكثير غيرها، هي آيات متشابهات ظلّت طوال الأجيال الماضية مختومة بخاتم المسك حتى جاء حضرة بهاءالله وفضّ ختمها بإصبع إرادة الله، وكانت من قَبلِهِ غامضة. وزادها غموضاً ما جرت به أقلام القوم من شروح وتعليقات. فظهور حضرة بهاءالله كان الصُّورُ الذي نفخ روح الحياة من جديد في هيكل الوجود كما سيأتي تفصيلاً فيما بعد عند الحديث عن رسالة حضرة بهاءالله. ولنحاول الآن فهم هذه الآيات على نحو مختلف. فقد قدمت سورة يونس أحد مفاتيح سرّ القيامة قَلَّما انصرف إليه انتباه الناس، وذلك في قوله تعالى: "وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفَعاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُم فَلاَ يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ"٢٠، وهذا نص صريح يُقِرنُ قيام الساعة والبعث بانتهاء أجل الأُمّة، ويحدد لكل أمة أجلاً إذا حان أجلها حان أيضاً حسابها. فكأن للأمم آجالاً كما أن للأفراد آجالاً، وكذلك للأمم حساب كما أن للأفراد حساباً. فالأمم جموع من الأفراد. وحساب كل أُمّة يحين بحلول أجلها. ويروي القرآن الكريم أمثلة لحساب الأمم السابقة عندما حانت آجالها وتم حسابها، ولهذا يجب علينا أن نراجع أنفسنا ونتفكّر مليّاً في المراد من علامات الساعة. وعلينا في خلال هذا البحث أن نستلهم الجواب ونعتمد في فهم هذا اليوم على نور نصوص كتاب الله، لا على ما ورثناه من روايات وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان. ١. حدثـتنا سورة هود عن رسالة نوح والطوفان الذي حلّ بقومه جزاء إعراضهم واستكبارهم، ولم ينج منهم إلاّ الذين صدّقوا برسالته، وأطاعوا أمر الله واعتصموا برحمته: "فَقَالَ المَلأُ الّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَومِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنَا بِادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُم عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُم كَاذِبينَ"٢١ واستمر القوم في غرورهم واستكبارهم: "حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيْهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ القَولُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيْلٌ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيْهَا بِاسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِم فِي مَوجٍ كَالجِبَالِ"٢٢. ٢. وحدثـتنا أيضاً عن قوم هود: "وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ "٢٣. ٣. وحدثـتنا السورة نفسها عن قوم صالح: "فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ"٢٤. ٤. كما حدثـتنا أيضاً عن قوم إبراهيم: "إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيْهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ"٥٢. ٥. وحدثـتنا عن قوم لوط: "فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيْهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سَجِّيْلٍ مَنْضُودٍ"٢٦. ٦. وحدثـتنا عن قوم شعيب: "وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ"٢٧. ٧. ثم حدثـتنا عن قوم ثمود: "كَأَنْ لَمْ يَغْنَوا فِيْهَا أَلاَ بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ"٨٢. ٨. وجاء في سورة الحاقة: "كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِم سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى القَومَ فِيْهَا صَرْعَى كَأَنَّهُم أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِنْ بَاقِيَةٍ"٢٩. وما نستخلصه من هذه الأخبار أَنَّ من نتائج الحساب فناء المستكبرين المكذبين بحيث "لاَ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ"، واستمرار الحياة بالمؤمنين ودوامها بدوام أسماء الله وصفاته العليا، كما استمرّت الحياة ودامت بعد انقضاء الأمم الغابرة. ونستخلص من جهة أخرى، أن القارعة والحاقّة والصيحة والصاخّة ويوم الحشر وغيرها، جميعها مترادفات ذات مدلول واحد عام، وآثار واحدة عامّة، وهي التفاعل الحتمي الذي يحدث عند دعوة كل رسول إلهي مع الأُمّة أو الأمم التي بُعث إليها. فالدعوة في ذاتها صيحة هائلة ترجّ الأفكار رجّاً، وتهتز من شدتها الشرائع القائمة اهتزازاً، وتتزلزل من وقعها الأوضاع السائدة زلزلة شديدة، فتورد المعارضين والمستكبرين المهالك، وتقرع المبطلين، ويحقّ القول على المكذّبين المتمادين في غيّهم وأهوائهم. ثم تخلق خلقاً جديداً ليسعى في هدى النور الجديد. والحقيقة واحدة لا تتعدّد بتعدّد الأسماء، فالمعنى واحد بين القارعة والحاقّة والصيحة والصاخة والقيامة والنبأ العظيم وأمثالها، وبين "أمر الله" و"الحساب". إذ إنّ كل هذه التعبيرات تصدق في اليوم الذي يرتفع فيه نداء الرسول الإلهي أيّا كان ذلك اليوم. ويخاطب الله العالم في شخص الأمة الإسلامية ليبلّغهم أن الحساب قريب لا ريب فيه، رغم انصراف الناس عنه وعدم تقديرهم لنتائجه الحاسمة، فكل ما عدا النداء الإلهي في نظر الله لعب وعبث لا خير فيه ولا دوام له. فقال تعالى: "مَا يَأْتِيْهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِم مُحْدَثٍ إِلاَ اسْتَمَعُوهُ وَهُم يَلْعَبُونَ"٣٠، والذّكر هنا معناه الكتاب. فقوله تعالى "ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِم مُّحْدَثٍ" يعني كتاب من الله جديد، ومجدّد لشريعته. ومعنى نزول الكتاب الجديد هو انتهاء أجل أمّة ونهاية دور وبداية آخر مصداقاً لقوله تعالى: "وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوماً ءَاخَرِينَ"٣١. والخلاصة: أنّ هلاك الأمم السابقة جزاء إعراضهم واستكبارهم - الذي فصّلته سورة هود - أمر ثابت في الكتاب. والأمة الإسلامية كغيرها من الأمم تجري عليها سنّة الله كما جرت على الأمم السابقة، فهي عند ظهور المهدي ونزول عيسى روح الله ستواجه الامتحان نفسه الذي ابتليت به الأمم السابقة. ثم تنقضي نشأة، وتبدأ نشأة أخرى، ويأتي الله بخلق جديد. وقد نبّه الرسول الأمين أمّـته أَنَّ مَثَلَها مَثَلُ غيرها من الأمم السابقة، تخضع لسنّة الله التي لا تتغيّر ولا تتبدّل فقال: "لَتَسلُكَنَّ سُبُلَ مَن قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى إذا دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه. قالوا: "والنصارى واليهود يا رسول الله؟ قال: ومَن؟"٣٢ ومنه نفهم أن الحساب الذي قدّمته الأمم السابقة لا بد واقع أيضاً للأمة الإسلامية. -------------------------------------------------١. سورة الانشقاق، آية ١
November 25 نافذة على البهائيةكي تتعرّف عزيزي الزائر على المفاهيم البهائية عليك بمتابعة هذا البرنامج البهائي
نافذة على البهائية
يرجى وضع الرابط الأصلي لإتاحة فرصة التحميل و التسجيل المباشر للأشرطة التي مدة كل واحد منها تتجاوز عشر دقائق و أحياناً خمس عشر دقيقة
أما المشاهدة المباشرة للأسف لا تتيح سوى سبع دقائق من كل جزء.
لذلك كل من يرغب في المشاهدة الكاملة عليه تحميل كل جزء على جهازه
رابط الجزء الاول
رابط الجزء الثاني
رابط الجزء الثالث
رابط الجزء الرابع
رابط الجزء الخامس
رابط الجزء السادس
رابط الجزء السابع
نافذة على البهائية الجزء الأخير في سيرة حضرة الباب يعنوان استشهاد حضرة الباب
نافذة على البهائية (قصة مرقد حضرة الباب جبل الكرمل)
الفهر س العربي لأجزاء نافذة على البهائية
November 20 كتاب أعجبنيملخص كتاب السر
The Secret RHONDA BYRNE
الفصل الأول .. اكتشاف السر ..
الفصل الثاني : السر في صورته المبسطة
الفصل الثالث : كيف نستعمل السر ؟ سنتعرف في هذا الفصل على الطريقة التي يمكننا بها الاستفادة من السر ، و سنتعلم كيف نوظفه لتحقيق ما نبتغي و سنتعلم طريقة رائعة اسمها الإجراء الإبداعي أو العملية الإبداعية و هي التي ستساعدنا في العمل بقانون الجذب .. كتطبيق واضح على السر .. و على استخدامه . لقد قام الكثير من المعلمين وعلى مر التاريخ بتأليف قصص لتشرح كيفية عمل هذا الكون ، و لربما لم يفهم الكثير من الناس حتى عصرنا هذا أن جوهر تلك القصص هو الحقيقة المطلقة للحياة ، بالرغم من أن الحكمة التي شملتها جوانب القصة كانت قد تناقلتها الأجيال في مختلف العصور ، بدءاً من وقت تأليفها إلى عصرنا هذا . مثال : قصة علاء الدين و المصباح السحري ..
لو فكرنا قليلاًً في قصة علاء الدين و المصباح السحري ، فإننا نجد ان علاء الدين في كل مرة قام بتدليك المصباح ظهر له الجني ليحقق أمنياته ، و كانت له في القصة ثلاثة أمنيات فقط ، و لكن بالنظر إلى القصة فإن ما تحقق لعلاء الدين أكثر من الأمنيات الثلاث .. و لنرى كيف يمكننا تطبيق قانون الجذب على تلك لقصة .. فعلاء الدين: هو الشخص الذي يطلب الشيء ويتمناه و بالنظر إلى هذه القصة العظيمة ، نجد أن الإنسان هو الذي جلب لنفسه ما يحيط به ، فما حول علاء الدين هو نتاج أمانيه و طلباته التي طلبها بثقة من الجني الذي لم يخذله ، لكن الكون- الجني في القصة - في الواقع يفترض أن كل ما تفكر فيه فإنك تريده و كل ما تحدث نفسك به فأنك تريده و هو يجلبه لك بهذا الشكل، لذا قلنا أنه يجب أن نحاول أن نتحكم في أفكارنا ، و هو لا يسألك أبداً عن ما تريد و لكنه يستقبل التفكير المجرد في أي شيء . الإجراء الإبداعي – العملية الإبداعية ( طريقة استخدام السر(
يتكون الإجراء الإبداعي من ثلاثة خطوات..
الخطوة الأولى : الطلب أو السؤال إذا أردت شيئاً و بشدة فإنك أولاً يجب أن تقوم بإصدار أمر إلى هذا الكون ، و ليكن الأمر واضحاً تماماً و أن تحدد ما تريده ، لأنك إن لم تكن واضحاً في الأمر الذي ستقوم بإصدراه فلن يصير قانون الجذب قادراً على تنفيذ ما تريد ، و هذا هو الجزء الأهم أن تكون واضحاً و أكيداً في إصدار الأوامر إلى هذا الكون مادمت تعرف انك تستطيع أن تكون ما تريد وأن تمتلك ما تريد و أن تحصل على ما تريد بقانون الجذب . و لا يجب عليك أن تصدر الأوامر أكثر من مرة بخصوص الطلب نفسه ، فالكون هو مثل الكاتالوج الذي تطلب ما تريده منه و عندما تشتري قطعة أثاث من كاتالوج مثلاً فإنك لا تقوم بإصدار نفس طلب الشراء لهذه القطعة سوى مرة واحدة ، أي أنك تصدر الأمر إلى الكون بخصوص ما تريد مرة واحدة فقط و تثق تماماً بان الكون قد قدمه لك في مستقبلك الغيبي و أنك حصلت عليه بمجرد الطلب.
الخطوة الثانية : الإيمان أو التصديق آمن تماماً بأن ما طلبته هو لك في الواقع ، و بانه انطلق فور اصدارك الأمر إلى مستقبلك الغيبي الذي لم تراه بعد ، و تصرف كأنك تملك ما أردت و كأنك حصلت عليه بالفعل و يجب أن تمتليء بالإيمان بذلك و ألا تقلق بشأن ما طلبته أبداً ، و لا تفكر في الطريقة التي ستحصل بها على ما تريد ، لأن الكون سيرتب نفسه تلقائياً و سيهيء لك الظروف المحيطة بك لتصل إلى ما طلبت مهما كانت صعوبته ، لأنه اذا تضمنت افكارك أنك لا تملك ما طلبت فسيقوم الكون عن طريق قانون الجذب بجذب كل ما يتعلق بعدم حصولك على ما طلبت و بالتالي عدم حصولك عليه فعلاً ، و يجب عليك أن تقاوم أفكار الاحباط لأنها ستقف في طريقك كما وضحنا سابقاً . يجب عليك في هذه الخطوة أن تضبط تردد مشاعرك ليناسب تردد امتلاكك لما تريد عن طريق احساسك بانك تملكه فعلاً حتى يستقبل الكون هذه الإشارات و يقوم بجذب الظروف و الطرق تلقائياً ، و يجب أن يكون تردد مشاعرك قوياً بما يكفي . الخطوة الثالثة : الاستقبال – البدء في الحصول على ما طلبت
و في هذه الخطوة يجب أن تستقبل الشعور الناتج عن امتلاكك فعلا لما طلبت ، لأنك بهذا الشكل تضبط مشاعرك على تردد ( موجة ) استقبال ما طلبته و بالتالي فإنك تحصل عليه بقانون الجذب . سيلهمك الكون كثيراً تصرفات أو أفعال من شأنها أن تقرب بينك و بين طلبك و أمنيتك ، و ستشعر بالمتعة فعلاً حين تقوم بها بإخلاص و هذه التصرفات أو المواقف التي تتخذها تعزز مشاعرك في مرحلة الاستقبال و هي تختلف عن الأفعال أو التصرفات العادية و هو مايطلق عليه التصرفات أو الحركات الملهمة ، لأنها تضعك على التردد المناسب مع الكون في مرحلة الاستقبال .
يجب أن تتذكر دائماً أنك تعمل كمغناطيس يجذب إليه كل شيء و صار الآن من السهل أن تستخدم السر بتطبيقك للإجراء الإبداعي أو العملية الإبداعية.
November 15 الموت والحياةالموت والحياةالمقصد من ضرب الأمثال في كتب الله - كما أشرنا سابقاً - تقريب الحقائق الروحانيّة والمعاني غير المحسوسة إلى أفهام البشر. وعلى الرغم من أن حقيقة الإنسان وجوهره روحاني إلاّ أنه يخضع لسلطان المادة وتسيطر على جانب من وجوده أحكام المادة وقوانين الطبيعة مَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ الحيوان. وإن اقتصر اهتمام الإنسان في الحياة على هذا الجانب فإن وجوده ومآله ينحصران في مملكة الطبيعة وعالمها المشهود. أما إذا قويت ذاته وتأصّلت فيه القيم الروحانية فإنه يتحرر من أسر الطبيعة ويسمو وجوده ومآله إلى المراتب الملكوتية وهي غيب مجهول بالنسبة لمداركه الحسيّة، ولكن لها مقابل ومثيل في عوالم الطبيعة، ومن ثم أكثرت الكتب المقدسة من ضرب الأمثال واستعمال أساليب التشبيه لجلب القيم المعنوية المعقولة من مكامن الغيب وتقريبها إلى المدارك العقلية لبني الإنسان حتى تتيح له فرصة الخيار-والربط- بين الجانبين المادي والروحاني. وفي هذا تنحصر الفرصة الفريدة التي تهيئها سنوات الحياة المعدودة على وجه الأرض. فإن احتجب وجدان الإنسان عن إدراك القيم الروحانية بما زيّنته أهواؤه، وتَلَهّى عن إنماء المواهب الملكوتية الكامنة في ذاته، أضاع من يده النعمة التي وعده بها الله في الحياة الحاضرة ومن بعدها في الحياة الآخرة. وما أتى رسل الله إلاّ من أجل حثّ وتنبيه هذا المخلوق - الذي أراد الله تكريمه - على نحو يجعله على بصيرة من أمره، ومعاونته على الاحتفاظ بمميزاته الإنسانية وعلى رأسها وجوده الروحاني الذي يفيض على عالم الشهود بأنوار الفضائل والكمالات. وكما أنَّ الشمس هي نور الحياة المادية فإن الإيمان بالله وإسلام الوجه إليه هو نور الحياة الروحيّة. وقد أشار سبحانه وتعالى في كتابه العزيز إلى هذه الحقيقة في مجال المقارنة بين الكفر والإيمان فقال: "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا"١. والمقارنة في هذه الآية هي بين عمّ الرسول حمزة، وأبي جهل، ويُفهم من ظاهر ألفاظ الآية أن سيدنا حمزة، كان ميتاً قبل إيمانه برسالة سيدنا محمد، فلمّا آمن دبّت فيه الحياة وأضحى يسعى بنور إيمانه بين الناس. وهكذا شبّه الله تعالى إيمان الإنسان بالحياة، واعتبر الكفر عين الموت فقال تعالى: "وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُوْنِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ"٢. فهذه هي الحياة في نصوص الكتب الإلهية: الحياة بمعناها الروحاني، وهذا أيضاً هو الموت في متن الكتب السماوية: الموت الروحاني، ولا أدلّ على ذلك من نفيه تعالى الموت عن الذين بذلوا أرواحهم في سبيله تعالى في قوله: "وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُونَ"٣. فهذه الحياة الروحانيّة لا تقتصر على الزمن القصير الذي يقضيه الإنسان في الدنيا ولكنها تبقى وتدوم بعد خمود جسده، لأن ما يتعلّق بالروح أبدي بطبيعته، ولا يعتريه التغيير الذي يصدق على الماديات. وما دام أن هذا هو معنى الحياة، فإذا أشارت النصوص الإلهية بعد ذلك إلى البعث فإنما تشير إلى بعث الحياة في الروح لا الجسد. وقد أشار السيد المسيح إلى هذا المعنى نفسه بقوله: "أَنَا هُوَ القِيَامَةُ وَالحَيَاةُ"٤. أي أنّه أتى إلى خاصته - اليهود - وكانوا أمواتاً في أجساد تتحرك، فأراد أن يحييهم من جديد، ويبعث فيهم الحياة الأبديّة. فالبعث المقصود في كتب الله هو البعث الروحاني وليس الجسماني. ولا أدلّ على ذلك من قوله تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوْسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُم الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُم تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"٥. وهذا الخطاب المبارك موجّه إلى اليهود. فهل حدثنا التاريخ أنّ اليهود، كشعب أو أمّة ماتوا بأجسادهم الموت الطبيعي، ثم بعث الله الحياة في أجسادهم من بعد موتهم؟ ولو ذكر التاريخ ذلك لاعتبرناه من أساطير الأولين. فالحياة والموت في خطاب الحقّ سبحانه وتعالى، مقصود بهما الحياة الروحيّة والموت الروحاني. وكذلك ما ورد ذكره في الكتب الإلهية من بصر وعمى، ونور وظلمة إنّما هي استعارات يُراد بها تقريب المعاني الملكوتيّة إلى أفهام أُناس لم يشهدوها، ولم يعرفوها فكان لا بد من التشبيه. فإذا قارن تعالى في كتبه المقدّسة بين الحي والميت أو بين النور والظلام، فإنّما يقصد الحي بالإيمان، والميت الذي بقي في كفن الضلالة والخسران. كما قال تعالى: "وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيْرُ وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الحَرُورُ وَمَا يَسْتَوي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ"٦. ولا تقتصر هذه المقارنة على مجرّد التّنبيه إلى المقام الرفيع الذي يرتقي إليه كل مقبل إلى الله وكل سالك في نور هداية الله، وإنّما هي تشعر أيضاً بأنّ الذي يعرض عن نور الله هو في عداد الأموات: "إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلاَ نَذِيرٌ"٧. فلا شك أن الله لم يبعث رسله ليخاطبوا الموتى بأجسادهم أو ينذروا من في القبور تحت التراب، وإنما المراد أن المعرضين عن رسالات الله هم موتى روحانيّاً وذواتهم مدفونة في قبور أجسادهم المتحركة. والحقيقة التي لا شك فيها هي أنّ الذين يحرمون أنفسهم من نعمة الإيمان بالرسالات الإلهية هم أسوأ حالاً من الموتى جسدياً، لأن من وارى أجسادهم التراب، لم يكن لهم خيار حيال الموت ولكن المعرض عن رسالة إلهية إنّما يحكم على نفسه بالموت الأبدي بإرادته الحرة واختياره. هذا بالإضافة إلى أن من وارى أجسادهم التراب قد انقطع شرّهم عن الناس أمّا أموات الروح الذين يدبّون على الأرض، وينشرون الفساد ويضلّون العباد بأعمالهم الشيطانيّة فإن شرهم متواصل. حقاً إن الموتى في قبورهم لا يتقاتلون، ولاينقضون نواميس الشرف والأخلاق، ولا يعتدون على حقوق الناس. أمّا أموات الروح، فيحيلون المعمور مطموراً، وينشرون في الأرض لهيباً من نار التعصب والبغضاء. يشهد التاريخ أن الإنسان لم ينجح في إصلاح أحواله معتمداً على قواه منفرداً في أي يوم من الأيام، والثابت على وجه القطع واليقين أنّ رسل الله هم الذين عاونوا البشر على السير في مراحل الإصلاح، وتحملوا في هذا السبيل كل جُحُودٍ وغرور واستكبار. والناس يَروونَ قصص الأنبياء السابقين وهم في غفلة عن سوء حالهم في الوقت الحاضر. وإذا قيل لهم أفيقوا من سبات الغفلة وانهضوا من رقاد الكسالة الذي غلب عليكم، وأقبلوا إلى مطلع النور الإلهي الذي أراد إخراجكم من الظلمات إلى النور، أجابوا ما نرانا بحاجة لمن يهدينا. مثلهم كالمريض الذي يتوهم في سكرة الموت أنّه على أحسن ما يكون صحّةً وعافيةً، ثم يرفض يد الطبيب الممدودة إليه في عطف وحنان. هذا هو حال عالم اليوم عنيد يرفض الهدى والإصلاح، فصدق عليه قوله تعالى: "وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا"٨، وقوله تعالى: "وَإِذَا قِيْلَ لَهُم لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا ِإِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلاَ أَنَّهُم هُم المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ"٩. ولهذا تفضّل حضرة بهاءالله بوصف هذا العناد في خطابه إلى الملكة فكتوريا: "إذا قيل لهم أتى مصلح العالم قالوا قد تحقّق أنّه من المفسدين أولئك من أجهل الخلق لدى الحقّ يقطعون أعضادهم ولا يشعرون، يمنعون الخير من أنفسهم ولا يعرفون، مثلهم كمثل الصّبيان لا يعرفون المفسد من المصلح والشرّ من الخير قد نراهم اليوم في حجاب مبين"١٠، فالعناد الذي يرتفع من جانب المعرضين يقدّم، من ناحية أخرى، صورة مجسّمة للدور الجليل الذي يضطلع به رسل الله في سبيل بعث مثل هؤلاء النفوس الذين وصفهم الحقّ بقوله تعالى: "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ"١١، و" إنّ شرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ"١٢. فعدم الإيمان، أو رفض الإيمان هو حرمان لصاحبه من فيوضات الله التي بها وحدها يبصر ويسمع ويعقل ويحيي. والإعراض عن النور والهداية الجديدة يهبط بصاحبه إلى مستوى العمى والموت. وقد وصف سيدنا المسيح عليه السلام أمثال هؤلاء بالكيفية نفسها: "لأِنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ"١٣. أمّا خطابه للحواريين فكان على النقيض من ذلك: "وَلَكِنْ طُوْبَى لِعُيُونِكُم لأِنَّهَا تُبْصِرُ وَلآِذَانِكُم لأِنَّهَا تَسْمَعُ"١٤. نسأل الله أن يزيل الغشاوة عن العيون والحجب عن الأفئدة، والوَقَرَ عن الآذان. --------------------------------------------------------------------- 1. سورة الأنعام، آية ١٢٢
November 05 التمثيل والتشبيه في الكتب السماويةالتمثيل والتشبيه في الكتب السماويةرأينا فيما سبق أن الإسلام بمعنى التسليم والانقياد لأوامر الله هو جوهر الدين بصفة عامة في كل الرسالات الدينية المتعاقبة ورغم أن لكل رسالة -منها- خصائصها ومظاهرها وآثارها وشريعتها، إلاّ أن الإسلام بقي صفة مشتركة بينها. والمقصود بالتسليم أو الإسلام لله أن يتحرر المرء من التقليد والأوهام فلا يكون الباعث على طاعته لأحكام الدين مراعاة العادات والطقوس السائدة في مجتمعه أو تفادي اللوم لخروجه عن المألوف، وإنّما يكون رائد سلوكه هو الحرص على الانقياد لإرادة الله وحده. فلا يخضع في عقيدته لغير ما يؤمن أنه مراد الله. وسبيله إلى ذلك البحث والتأمل مع صفاء الوجدان وخلوص النيّة. والإسلام بهذا المعنى هو لباب الرابطة الروحانية بين الخلق والحقّ. أمّا ما ذهب إليه بعض المفسرين من اعتبار كلمة "الإسلام" في كل المواضع مساوياً لرسالة سيدنا محمد أدّى إلى الخطأ في فهم حقيقة العهد الإلهي. لأن التضييق في معنى "الإسلام" انتهى بهم إلى القول بتوقف الفيض الإلهي وانتهاء الرسالات السماوية برسالة سيدنا محمد. واستخرجوا هذا الظنّ من قوله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ". وهو خطأ مشابه لما نتج عن سوء تفسير "خاتم النبيين" على النحو الذي رأيناه في الصفحات السابقة. والخطأ في تفسير لفظ الإسلام مناقض لكثير من آيات الكتاب فيما يتعلق ببشارتها بمجيء عيسى وما روته الأحاديث الشريفة عن مجيء المهدي. ولعل من نافلة القول أن نعيد إلى الأذهان أن من أهم العوامل التي أوقعت المفسّرين في الشبهات هي تصديهم لتفسير الكلام الوارد على سبيل المجاز في الكتب السماوية أخذاً بظاهر لفظه، وتسليماً للوهم بأبدية رسالة سماوية يكنون لها الولاء ويرون فيها الكمال. ونتناول هنا عرضاً مختصراً لصور من هذا المجاز، وعلة استعماله في الخطاب الإلهي، وبيان معانيه التي التبست على المفسرين فأوقعتهم في أقوال هي أقرب إلى الخرافة منها إلى الحقيقة. وأكثر صور المجاز الواردة في الكتب السماوية التشبيه والأمثال. ولفظ "المََثَل" يساوي "الشَّبَه" وزناً ومعنىً، وغايتهما تمثيل المعاني المعقولة بصور تدركها الحواس، وذلك على أساس وجود نسبة بين المعقول والمحسوس تجعل إدراك المفاهيم المجردة وتصورها أيسر على الإنسان. وقد كثر استعمالهما في الكتب المقدسة لاستحالة تقريب أسرار الغيب إلى أذهان الناس بدون استدعاء ما يقاربها مما عرفوه وألفوه وخبروه بحواسهم. وبدون ذلك التمثيل يكاد يكون من المحال تصور شؤون عالم الملكوت. وليس بسرّ أن كثيراً من بيان السيد المسيح الوارد في الكتاب المقدس يجري على نهج الأمثلة والتشبيهات. وعندما سأله الحواريون عن سبب حديثه بالأمثال أجاب: "لأَِنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُم أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السِّمَوَاتِ"١. ومقصد الكلام أنّه لا يمكن للإنسان معرفة شؤون عالم الغيب إلاّ بمقارنتها بما يقاربها في عالم الشهود. ويوضح السيد المسيح مفهوم الملكوت بمثال يقربه إلى الأفهام فيقول: "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ. وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ البُذُورِ. وَلَكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ البُقُولِ وَتَصِيرُ شَجَرَةً حَتَّى إِنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا"٢. ومراد حضرته أن الملكوت هو التعاليم الروحانية التي يستهين بها الإنسان وتبدو ضئيلة الفائدة بالقياس إلى غيرها من المنافع المادية والنعم الدنيوية، ولكن مآل هذه المبادئ ومغانمها الروحانية لمن يهتم بها، وحرص على ممارستها أكبر وأعظم من كل ما عداها من ألوان النعم المادية. وكما جاء في القرآن الكريم: "يَضْرِبُ اللهَ الأَمْثَالَ لِلْنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ"٣، وقوله أيضاً: "تِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلْنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ"٤. وقد زخر القرآن الكريم بالأمثال من ذلك قوله تعالى: "اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيْهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوْقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَو لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلْنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ"٥. وأساس هذا المنهج في تقريب المعاني المجردة هو وجود صفات مشتركة أو نسبة بين المعقول المراد بيانه والمحسوس الذي يماثله ولو على وجه التقريب. وهذا يقتضي أن يكون ضارب المثل واقفاً على حقيقة الأمر المعقول الذي يريد أن يبيّنه حتى يتسنى له أن يأتي بمثيله المحسوس الذي يطابقه أو يقاربه. ولا يلزم أن تكون بين المعقول والمحسوس مطابقة تامّة، ويندر أن يكون الحال كذلك، بل يكفي أن تكون بينهما مشابهة ولو على وجه التقريب يتسنى معرفتها من سياق الكلام. وفي شرح لهذه النقاط قال الغزالي: "فاعلم أن العالم الملكوتي عالم غيب، إذ هو غائب عن الأكثرين. والعالم الحسّي عالم شهادة إذ يشهده الكافّة. والعالم الحسّي مَرقاة إلى العقلي. فلو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لانسدّ طريق الترقّي إليه. ولو تعذّر ذلك لتعذّر السفر إلى حضرة الربوبية والقرب من الله تعالى". لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت، وكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي؛ وقد يُعبّر عنه بالدين وبمنازل الهدى - فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر - جعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت: "فما من شيء من هذا العالم إلاّ وهو مثال لشيء من ذلك العالم. وربما كان الشيء الواحد مثالاً لأشياء من عالم الملكوت. وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة. وإنما يكون مثالاً إذا ماثله نوعاً من المماثلة، وطابقه نوعاً من المطابقة"٦. وسنتناول هنا مناقشة بعض أمور من عالم الملكوت التي وردت في الخطاب الإلهي بعبارات مناسبة لعالم الشهود وصور حسّيّة تقرّبها إلى أذهان البشر وفهمهم. وكل هذه الأمور سبق أن تعرض لها في الماضي الكثير من المفسرين والمفكرين دون أن يقدّموا ما يشفي غليل الباحث المتشوّق إلى معرفة أسرار هذا الملكوت لأنهم اعتمدوا في تفسيرها على حرفية النص أو على ما استقوه من الفلاسفة القدماء - بعد أن ترجمت كتبهم إلى العربية - ثم التزموا في فهمها بالنطاق الذي حدّدته المذاهب التي كانوا ينتمون إليها، فكانوا ينتقون من كتاب الله ما يوافق مذهبهم ويتركوا غيره غفلاً، بدلا من أن يطرحوا الكل على بساط البحث الطليق من القيود والفروض المسبقة. فأتت مؤلفاتهم مناصرة لمذاهبهم أكثر منها شروحاً مستقلّة لكلام الله. فقال المعتزلة مثلا أن عذاب القبر ليس حسيّاً وإنما هو عذاب بآلام نفسيّة. وكان هذا النظر متفقاً مع مذهبهم في تفسير القرآن الكريم بإعمال العقل وحمل كلام الله على ما يقبله العقل فلم يتصوروا أن يكون هناك عذاب حسيّ واقع على جسد هامد فارقته الروح. أمّا أهل السنّة فقالوا بأن عذاب القبر يكون بآلام حسيّة اعتماداً على أخذهم بحرفيّة النص والمنقول عن السلف، وذلك أيضاً وفقاً لمذهبهم في تفسير القرآن اعتماداً على ظاهر اللفظ. كما قال أهل السنّة بوجود مادي للصراط المستقيم وهو "جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعرة وأحدّ من السيف"، بينما أنكر المعتزلة الصراط بالمعنى المادي وقالوا إنه عبارة عن طريق الحقّ، ومال إلى هذا الرأي أبو حامد الغزالي مع أنه أشعري وصوفي فقال: "إن عبور الصراط المستقيم عبارة عن التّرقي من عالم الشهادة إلى عالم الملكوت وقد يُعبّر عنه بالدين وبمنازل الهدى"٧ فأعطى الوصف المادي "أدق من الشعرة وأحد من السيف" معنى مجازياً يتمثل فيما يتطلبه عبور ظلمات العالم المشهود إلى أنوار الملكوت من يقظة واحتراز وخشية. وكان اعتماده في التفسير على مذهب المتصوّفين: أي الكشف الإلهي والنور الذي يقذفه الله في قلب المؤمنين الساعين في سبله والمتسابقين إلى جواره. وعلى المنوال نفسه اختلفت أقوال المفسرين في فهم المراد من الميزان، والجن، والملائكة، والجنة والنار إلى آخره. ولعل في طرح هذه الأمور على بساط البحث الحرّ البعيد عن التعصب والمذهبية، وبعد أن ثبت اتساع هوة الأخطاء التي وقع فيها السابقون، ضرورة لبلوغ الحقيقة أو على الأقل لفهمها على ضوء ما تهدينا إليه عقولنا في عصر بلغت فيه مقدرتنا على عمق التحليل، ودقة التحقيق، وبعد النظر شأواً بعيداً لم يتوفر للسابقين. وفي ذلك ما يجدد وهج جذوة الإيمان ويبعث الروح الديني من الخمول والخمود. والبحث الأول هنا سوف يدور حول المراد بلفظة "الحياة" في الخطاب الإلهي، تليه مباحث عن عدد من أمور الآخرة من بعث وحساب وصراط وميزان وجنة ونار - وكلها أمور في حاجة إلى فهم صحيح يبعدنا عن الخرافات والأوهام التي لا تقدم نفعاً لمن أراد وجه الله، "وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ"٨. --------------------------------------- 1. إنجيل متى، إصحاح ١٠:١٣ October 23 معنى الإسلاممعنى الإسلامتقدّم القول أنّ تعدّد رسل الله واختلاف الأحكام التي جاءوا بها لا ينافي وحدة الدين بمعنى الرابطة الوثيقة بين الخالق والمخلوق. وكل كلمة من الله هي نور بدون اعتبار لزمانها ومكانها أو الأفق الذي أشرقت منه: فالزبور والتوراة والإنجيل والقرآن كلها كلماته ونوره ورباطه الوثيق وعهده المصون، كما قال تعالى: "مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يِتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ"١ ، فلا شك أن الآيات التي يتلوها أهل الكتاب هي آيات الإنجيل والتوراة، وليست آيات القرآن الكريم. وفي قوله تعالى: "مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نَنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا" بيان واضح يؤكد الوحدة التي تربط جميع آياته - بدون تخصيص أو تحديد - والعروة الوثيقة التي توحد الرسالات الإلهية المتعاقبة. والمستفاد من لفظ "نَنْسَخْ" أن بين آيات الله وحدة لا تنفصم بطول الزمن بين رسالة وأخرى، فالآية اللاحقة إن تعارض حكمها أو مفهومها مع آيات سابقة حلّت محلّها واعتبرت تعديلاً لها، لأنه لا يتصور وجود تناقض في كلام الله وتفاوت في الأحكام التي يطلب من عباده اتباعها في زمن معين. والآية المذكورة تجزم بأن الآية الناسخة إمّا تماثل المنسوخة أو هي خير منها. ولا يفهم من لفظ "خير منها" في هذا الموضع معنى المفاضلة بين الآيات سواء من حيث صوابها أو دقة إحكامها، فذلك مناف للكمال الإلهي ودوامه على حال واحد لا أحسن فيها ولا أسوأ. فليست المفاضلة هي المراد من قوله: "بِخَيرٍ مِنْهَا" وإنّما المقصود أن الله يبدّل آياته وأحكامه بما يناسب مدارك الإنسان المتنامية، وظروف نشأته المتغيّرة. وواقع الحال أنه ليس تغييراً وتبديلاً لتصحيح أو تحسين الكلام، ولكنه استبدال اقتضاه التدرج في تربية الإنسان وتهذيب فكره وتنظيم حياته، فآيات الله نظم مكنون في كتاب محفوظ يكشف عنه رسله تعالى بقدر طاقة أهل الإمكان ووفقاً لمدى تقدمهم وقابلياتهم. وليس من شأن العبد أن يقارن أو يفاضل بين أجزاء هذا النظم، وإنّما واجبه التسليم والإيمان بما فيه "كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا"٢. من هنا نرى أنّ الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والزردشتية وسائر الديانات السماويّة كلّها من حيث أصولها وغاياتها فيض إلهي واحد، وهي تختلف بطبيعة الحال من حيث زمانها وأسلوبها وتعاليمها ولكنها متحدة في سعيها لعلاج ما اختل من شؤون المجتمع البشري بما يتفق مع درجة بلوغه ورشده، وإعداده لمتابعة السير في مراحل التطوّر الروحاني غير المتناهية. وفي هذا السياق العام يمكن فهم قوله تعالى: "اليومُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً"٣، فهذا الخطاب الرحماني موجّه بنوع الخصوص إلى أمّة سيدنا محمد ويحتمل أن تكون الإشارة فيه إلى رسالته. ولكن كلمة "الإسلام" في قوله تعالى "وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْناً" تفيد أكثر من معنى. فلكلمة الإسلام لُغَةً معانٍ عدة. ومن معانيها الخضوع والانقياد لكل ما يأتي من عند الله، وإسلام الوجه إلى الله، وتفويض الأمر إليه. كما أن من معانيها أيضاً اتّباع شريعة محمد رسول الله. وهذا المعنى الأخير الخاص للفظة "الإسلام" هو الذي اعتبره أكثر المفسّرين، فقد جاء في مختصر تفسير ابن كثير لهذه الآية "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأُمّة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره"٤ ويعود ابن كثير فيقول في الصفحة نفسها تفسيراً لهذه الآية: "لما نزلت "اليَومُ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ" وذلك يوم الحج الأكبر بكى عمر، فقال له النبي: ما يبكيك؟ فقال أبكاني أنّا كنّا في زيادة من ديننا، فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلاّ نقص، فقال: "صدقت"، ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: "إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء"٥. ولا تـثريب على عامة المفسّرين إذا عظّموا دينهم ورفعوا قدره ومدحوه مع ملاحظة عدم الإسراف في ذلك، وإلاّ وقعوا في الخطأ الذي وقعت فيه الأمم السابقة فضيّقوا المعاني المبسوطة، وخصّصوا فيها بدون دليل، وأوجدوا التعصب الأعمى وأضلّوا الكثير من الناس. وقد رأينا - فيما سبق - أن اليهود اعتبروا كتابهم كاملاً حاوياً كل شيء، وما زالوا يردّدون أن شريعته شريعة أبدية لا تتغيّر وليسوا في حاجة إلى غيرها. وقد كان هذا الفهم صحيحاً في زمان شريعة سيدنا موسى كما صدّق بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: "ثُمَّ آتَيْنَا مُوْسَى الكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِم يُؤْمِنُونَ"٦، فكتاب سيدنا موسى عليه السلام كتاب تام، وفيه تفصيل كل شيء، ولكن إطلاق هذا الوصف على نحو يسد باب الهدى من بعده، وينهي رسالات الله، ويزعم أن "يَدْ اللهِ مَغْلُولَةًٌ"٧ تضييق للمعنى وخطأ أدّى بهم إلى تكذيب رسل الله الذين بعثهم الله بالحق من بعد سيدنا موسى. فتخصيص معنى "الإِسْلاَمَ" على وجه الإطلاق لا يتفق وسياق الكلام، وينحرف عن المراد. وحصر معنى "الإِسْلاَمَ" في قوله: "وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً" في الإشارة إلى شريعة سيدنا محمد لا مبرر له ولا دليل عليه، فالآية تحتمل أيضاً المعنى العام للفظة "الإِسْلاَمَ" أي تسليم الوجه إلى الله والإذعان لأوامره تعالى وهذا هو جوهر الدين وحقيقته. وبهذا المعنى وصف الله الأمم السابقة بالإسلام كما قال في معرض الحديث عن سيدنا إبراهيم: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العَالَمِيينَ"٨، أو دعاء سيدنا إبراهيم وإسماعيل "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ"٩، وكذلك وصيّـته لبنيه: "يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُم الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ"١٠، كما كان حواريوا سيدنا عيسى أيضاً مسلمين: "فَلَمَّا أَحَسَّ عِيْسَى مِنْهُم الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"١١. فواضح من الآيات السابقة أن الإسلام بمعناه العام هو طاعة الله وإسلام الوجه إليه تعالى وهو أساس العبودية للّه ولا يتصوّر إيمان المرء بدين سماوي إلاّ إذا كان مقروناً بتسليمه لأمر الله ظاهراً وباطناً. وبهذا المعنى جاءت الآية المباركة: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ"١٢. ومن الواضح أن صرف دلالة كلمة الإسلام - معرفة بالألف واللام - في هذه الآية إلى رسالة سيدنا محمد وحدها ينفي وصف الدين عن رسالة كل من سيدنا موسى وسيدنا عيسى، وهو ما يناقض آيات القرآن الصريحة بأن ما جاء به سيدنا موسى وسيدنا عيسى كان حقاً من عند الله. والمعلوم لغة أن كلمة "الدِّينَ" - معرفة بالألف واللاّم - وبدون تخصيص تعني أولاً: الرابطة بين العباد وخالقهم ولا تقتصر على رسالة معيّنة بل تشملها جميعاً. كما تعني ثانياً: أن هذه الرابطة واحدة على ممرّ الزمن، وأن تتابع الشرائع المعدّلة لأحكام هذا الدين الواحد هي سرّ دوام حيوية هذه الرابطة وصلاحها مع تغيّرِ الظروف والأحوال. والآية الواردة بعد "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ" تبيّن بوضوح المعنى المراد إذ جاء القول فيها موجها إلى سيدنا محمد: "فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي للهِ". وبهذا أوضح الله تعالى أهمية إسلام العباد لتعاليمه وأحكامه بحيث صار الإسلام وصفاً شاملاً وشرطاً لكل الرسالات الإلهية، فسيدنا نوح جاء بدين وصفه الله تعالى بأنّه الإسلام: "وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ"١٣، وسيدنا يعقوب عليه السلام جاء أيضاً بالإسلام: "أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيْهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"١٤، وكذلك سيدنا موسى عليه السلام: "وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَـَّما جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ"١٥، وسيدنا عيسى عليه السلام جاء بالإسلام: "وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيـِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسلِمُونَ"١٦. وخلاصة ما تقدّم أنّ "للإسلام" أكثر من معنى فهو في موضع يعني استجابة العباد إلى أوامر الله وانقيادهم لمشيئته، وفي موضع آخر اسم رسالة من الرسالات السماوية. أمّا قوله تعالى: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ"١٧ فيمكن حمل كلمة "الإسلام" في هذه الآية على معناها العام بناء على سياق الحديث في الآية السابقة "قُولُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيْلَ وإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوْسَى وَعِيْسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِم لاَ نُفَرِّقُ بِيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ". فالإسلام بمعناه العام - كما رأينا - شرط لازم ومشترك لكل الشرائع، ويعني رفض الله أدنى تحفّظ أو تردّد من عباده إزاء قبول شرائعه وأوامره قبولاً غير مجزأ وغير مشروط، ولا يقبل منهم إلاّ تسليمهم التام لكل ما جاء فيها. وبعبارة أخرى، إن الرسالات الإلهية المتتابعة لا تبغى اقتسام العباد، ولا تريد التفرقة، ولا تمس بوحدة الدين، وإنما هي - كبنيان مرصوص - تكمّل كل منها الرسالة السابقة عليها، فتبدّل بعضاً من أحكام الشريعة السابقة بأحكام تحقق الغايات نفسها، كما بدّلت شريعة سيدنا موسى شرع سيدنا إبراهيم، وكما نسخت شريعة السيد المسيح شرع سيدنا موسى، وكما نسخت شريعة سيدنا محمد شرع سيدنا المسيح وهلمّ جرّا، وهكذا تتصل كل رسالة بالأخرى وتكوّن حبلاً واحداً أمر الله الناس أن يعتصموا به، وذلك هو عهد الله مع عباده. والمتدبّر في كتاب الله يتبين أن لله مع البشر عهدين: عهد عام مع الناس جميعاً أن يؤمنوا برسالاته ويتّبعوا أوامره ويسلّموا له بحكم الفطرة التي فطر الناس عليها "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ"١٨، وعهد خاص يوثّـقه الله مع المؤمنين في كل رسالة من رسالاته وهذا مفهوم من لومه تعالى لبني إسرائيل لحنثهم بعهده الذي أوثـقه سيدنا موسى: "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُم وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوْفِ بِعَهْدِكُم وَإِيَّايَ فَارْهَبُونَ"١٩، وجاء في تفسير الشيخ محمد عبده: "عهد الله تعالى إليهم يُعرف من الكتاب الذي نزّله إليهم، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وأن يؤمنوا برسله متى قامت الأدلة على صدقهم، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه"٢٠. ولا يجوز القول: بأن الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل ولا يصدق على غيرهم، لأن العدل الإلهي لا يخصّ قوماً بما يأباه على غيرهم فرحمته تعّم العالمين ونوره يهدي كل البشر، ولومه بني إسرائيل يصدق أيضاً على كل أمّة تعرض عن رسالاته وتتخذ منها موقفاً مماثلاً لموقف بني إسرائيل. ومضمون العهد الإلهي المشار إليه في الآية المذكورة صريح في قوله تعالى موجّهاً إلى بني الإنسان عامّة: "يَا بَنِي آدَمَ إمَّا يَأْتِيَنَّكُم رُسُلٌ مِنْكُم يَقُصُّونَ عَلَيْكُم ءَايَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"٢١. وحقيقة أخرى تؤكدها هذه الآية المباركة ألا وهي وحدة دين الله التي لا تتعدّد بكثرة رسله وتعدّد شرائعهم على مدى الزمن، ومن ثم من يؤمن برسالة ولا يؤمن بأخرى، كأنه حنث بعهد الله، لأنّه قد احتجب بالتعدّد عن وحدانيته تعالى. وتبعاً لذلك مَن يـؤمن برسول دون رسول يكون قد غفل عن حقيقة التوحيد. وهذا قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيْدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيْدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاُ أُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقّاً وَاعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيْهِم أُجُورَهُم وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً"٢٢. هذا هو الكفر بأدق معانيه، ويختلف عما تظنّه العامّة الذين يعتبرون الكفر عدم الاعتراف بوجود الباري جلّ وعلا. وهذا تصوّر غير صحيح، فما من إنسان إلاّ ويعترف بوجود إلَه واحد مدبّر لشؤون الكون، حتى الطبيعيّين - على الرغم من عدم استعمالهم لفظ الجلالة - يعتقدون بوجود قوّة خفيّة مسيّرة للكون وإن كانوا لا يدركون كنهها ولا يعرفونها بغير هذا التعريف. فالكفرالحقيقي - كما صرحت الآية المباركة - هو التفريق بين رسل الله، والتفريق بينهم وبين الله عزّ وجلّ، وقبول واحد ورفض الآخر، فالذي يعترض على أيّ رسول إلهي في أيّ زمن من الأزمان يكون في الحقيقة قد قطع ما أمر الله به أن يوصل. وقد ذكّر حضرة بهاءالله هذه الحقيقة في تأكيد قاطع بقوله المنيع: "وإنّك أنت أيقن في ذاتك بأنّ الذي أعرض عن هذا الجمال فقد أعرض عن الرّسل من قبل ثم استكبر على الله في أزل الآزال إلى أبد الآبدين" ٢٣. سورة آل عمران، آية ١١٣ ..1 |
|
|